وقول القائل إن المركب مفتقر إلى جزئه ليس بأعظم من قوله إنه مفتقر إلى كله فإن الافتقار إلى المجموع أشد من الافتقار إلى بعض المجموع فالمفتقر إلى المجموع مفتقر إلى كل جزء منه والمفتقر إلى جزء منه لا يلزم أن يكون مفتقرا إلى الجزء الآخر ومعلوم أن افتقاره إلى الجميع هو افتقاره إلى نفسه وهو معنى قوله هو واجب بنفسه فعلم أن وجوبه بنفسه لا يوجب الافتقار المنافي لوجوب الوجود
الوجه الثاني أن يقال وجوب الوجود الذي دل عليه الدليل ينفي أن يفتقر إلى أن يكون مفتقرا إلى شيء خارج عن نفسه إذ لو كانت الممكنات لا بد لها من وجود غير ممكن موجود بنفسه وهذا ينفي أن يفتقر إلى شيء خارج عن نفسه فلو قيل إنه موجود بنفسه مستغن عن غيره وإنه مفتقر إلى غيره للزم الجمع بين النقيضين فأما ما هو داخل في مسمى نفسه فليس هو شيئا خارجا عن نفسه حتى يقال افتقاره إليه ينافي وجوده بنفسه
الوجه الثالث أن يقال اسم الغير فيه اصطلاحان أحدهما أن أحد الغيرين ما جاز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر والآخر أن الغيرين ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بوجود أو إمكان أو زمان والأول اصطلاح المعتزلة والكرامية والثاني اصطلاح الكلابية والأشعرية فإن قيل بالثاني فجزؤه وصفته ليس بغير له فلا يكون ثبوته موجبا لافتقاره إلى غيره وإن قيل بالأول فثبوت الغير بهذا التغير لا بد منه فإنه يمكن العلم بوجوده والعلم بوجوبه والعلم بانه خالق والعلم بعلمه والعلم بإرادته وهم يعبرون عن ذلك بالعقل والعناية وهذه المعاني أغيار على هذا الاصطلاح وثبوتها لازم لواجب الوجود وإذا كان ثبوت هذه الأغيار لازما له لم يجز القول بنفيها لأن نفيها يستلزم نفي واجب الوجود وعلم أن مثل هذا وإن سمي تركيبا فليس منافيا لوجوب الوجود
فإذا قيل واجب الوجود لا يفتقر إلى غيره قيل لا يفتقر إلى غير