مرجح تام يجب عنده الحادث فلا بد لكل حادث من سبب تام يحصل الحادث عند تمام ذلك السبب فإذا كان العالم محدثا بعد أن لم يكن ولم يحدث سبب يقتضي حدوثه فلم يكن حين ابداعه أمر يوجب ترجيحه لم يكن قبل إبداعه بل الحالان سواء فيلزم ترجيح الحدوث بلا مرجح
وهذا الموضع هو أصعب المواضع على المتكلمين في بحثهم مع الفلاسفة في مسألة حدوث العالم وهذه الشبهة أقوى شبهة الفلاسفة فإنهم لما رأوا أن الحدوث يمتنع إلا بسبب حادث قالوا والقول في ذلك الحادث كالقول في الأول
وقال هؤلاء المثبتة لقيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى وعلى أصلنا يبطل كلام الفلاسفة فإنه يقال لهم أنتم تجوزون قيام الحوادث بالقديم إذ الفلك قديم عندكم والحركات تقوم به وتجوزون حوادث لا أول لها وتعاقب الحركات على الشيء لا يسلتزم حدوثه واذا كان كذلك فلم يجوز أن يكون الخالق للعالم له أفعال اختيارية تقوم بها يحدث بها الحوادث ولا يكون تسلسلها وتعاقبها دليلا على حدوث ما قامت به
قال هؤلاء لأصحابهم الذين أثبتوا حدوث العالم بهذه الطرق تسلط عليكم الفلاسفة في مسألة حدوث العالم فإنكم إذا أثبتم حدوث العالم وقلتم المحدث لا بد له من محدث لأن تخصيص الحوادث ببعض الأوقات دون بعض لا بد له من مخصص قال لكم الدهرية فأنتم تجوزون الحدوث من غير سبب حاديث يقتضي التخصيص ببعض الحوادث دون بعض
فإن قلتم القديم يخصص مثلا عن مثل بلا سبب أصلا جوزتم تخصيص أحد المثلين على الأخر بغير مخصص وهذا يفسد عليكم إثبات العلم بالصانع وهو المقصود بطريقكم فسلكتم طريقا لم تحصل المقصود من العرفان وسلطتم عليكم أهل الضلال والعدوان كمن أراد أن يغزو العدو بغير طريق شرعي فلا فتح بلادهم ولا حفظ بلاده بل سلطهم حتى صاروا