25 -والخَطَأُ والإِكْرَاهُ والنِّسْيَانُ ... أَسْقَطَهُ مَعْبُودُنَا الرَّحْمَانُ
26 -لكنْ مَعَ الائتلافِ يَثْبُتُ البَدَلْ ... وَيَنْتَفي التَّأْثِيمُ عَنْهُ والزَّلَلْ
25 -26 - وهذَا منْ كمالِ جودِهِ وكرمِهِ تعالى، ورحمتِهِ بعبادِهِ. إِنَّهُ لمَّا كلَّفَ عبادَهُ بأَوامرَ يفعلونَهَا، ونَواهٍ يَجْتَنِبُونَهَا، أَنَّهُ إِذَا صَدَرَ منهمْ إخلالٌ بالمأْمورِ، أَوِ ارتكابٌ للمحظورِ، نسيانًا أَوْ خطأً أَوْ إكراهًا: أَنَّهُ عَفَى عنهمْ وسامحهمْ، لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ"عُفِيَ لأُمَّتي عَنِ الخَطَأِ والنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرهُوا عَلَيْهِ".
قالَ ابنُ رجبٍ رحمهُ اللهُ في [شَرْحِ الأَربعينَ] بعدَ مَا ذكرَ النُّصوصَ الدَّالَّةَ على رفعِ الإِثمِ عنِ المخطئِ والنَّاسِيَ، فَقَالَ: والأَظهرُ - واللهُ أعلمُ - أَنَّ النَّاسِيَ والمُخطئَ قدْ عُفِيَ عنهمَا، بمعنى رفعِ الإِثمِ عنهمَا لأَنَّ الإثمَ مرتَّبٌ على المقاصدِ والنِّيَّاتِ، والنَّاسي والمخطئُّ لا قصدَ لهمَا، فلاَ إِثمَ عليهِمَا.
وأَمَّا رفعُ الأَحكامِ فليسَ مرادًا منْ هذِهِ النُّصوصِ، فيُحْتَاجُ في ثبوتِهَا ونفيِهَا إلى دليلٍ آخرَ.
والخطأُ أَنْ يقصدَ بفعلِهِ شيْئًا فيصادِفَ فعلُهُ غيرَ ما قصدَهُ، مثلُ أَنْ يقصدَ قتلَ كافرٍ فيصادفَ مسْلمًا، والنِّسْيانُ أَنْ يكونَ ذاكرًا للشَّيْءِ فينساهُ عندَ الفِعْلِ، وكلاهُمَا معفوٌّ عنْهُ"إلى أَنْ قالَ:"
"الفصْلُ الثَّاني في حكمِ المكرَهِ، وهوَ نوعانِ أحدُهمَا: مَنْ لا اختيارَ لهُ، ولا قدرةَ لهُ على الامتناعِ، كمنْ حُمِلَ كرهًا وأُدخلَ مكانًا حَلَفَ على الامتناعِ منْ دخولِهِ، أَوْ حُمِلَ كرهًا، وَضُرِبَ بِهِ غَيْرُهُ حتَّى ماتَ ذلكَ الغيرُ، ولاَ قدرةَ لهُ على الامتناعِ، أوْ أُضجِعَتِ المرأَةُ ثم زُنِيَ بهَا منْ غيْرِ قدرةٍ على الامتناعِ، فهذَا لا إثمَ عليهِ بالاتِّفاقِ، ولا يترتَّبُ عليهِ حنثٌ عندَ الجمهورِ، وقدْ حُكِيَ عنْ بعضِ السَّلفِ كالنَّخعيِّ فيهِ خلافٌ. ثُمَّ قالَ:"
"النَّوعُ الثَّاني: مَنْ أُكرهَ بضربٍ أَوْ غيرِهِ حتَّى فَعَلَ، فهذَا الفعلُ متعلِّقٌ بهِ التَّكليفُ، فإِنَّهُ يمكنُهُ أنْ لا يفْعَلَ، فهوَ مختارٌ للفعلِ، لكنْ ليسَ غرضُهُ نفسَ الفعلِ بلْ دفْعَ الضَّررِ عنهُ، فهوَ مختارٌ منْ وجهٍ، غيرُ مختارٍ منْ وجهٍ، ولهذَا اختلفَ النَّاسُ: هلْ هوَ مكلَّفٌ أَمْ لاَ؟ واتَّفقَ العلماءُ على أنَّهُ لوْ أُكْرهَ على قتلِ معصومٍ لمْ يصحَّ لهُ قتلُهُ، فإنَّهُ إنَّمَا يقتلُهُ باختيارِهِ، وافتداءِ نفسِهِ بقتلِهِ."
هذَا إِجماعٌ منَ العلماءِ المعتدِّ بهمْ.
ثمَّ ذكرَ بعدَ هذَا: أنَّ الإِكراهَ على الأقوالِ معفوٌّ عنها، لا يأْثمُ الإنسانُ إذَا أُكرهَ عليْهَا، وأَنَّ الإِكراهَ على الأفعالِ فيهِ خلافٌ بينَ العلماءِ""
انتهى كلامُهُ رحمهُ اللهُ تعالى.
والحاصلُ: أَنَّ الإِثمَ مرفوعٌ عنْ هؤلاءِ الثَّلاثةِ، وأَمَّا الضَّمانُ إذَا أتلفَ نفسًا أَوْ مالًا فيضْمَنُونَ، لأَنَّ الضَّمانَ مرتَّبٌ على نَفْسِ الفعلِ، سواءٌ قصدَ أَوْ لمْ يقصدْ.
وأَمَّا الإثمُ فمرتَّبٌ على المقاصدِ، واللهُ أعلمُ.