الصفحة 29 من 200

أما إذا انتفت الظنون وانتفت التُّهمُ، وكان الجارح حَبْرًا من أحبار الأمة، مبرأً عن مظان التهمة، أو كان المجروح مشهورًا بالضعف متروكًا بين النقاد، فلا نتلعثم عند جرحه ولا نُحْوِجُ الجارح إلى تفسير، بل طلب التفسير منه ـ والحالة هذه ـ طلبٌ لغيبة لا حاجة إليها... )) (1) .

جواب ابن الصلاح عما تضمّنته كتب الجرح والتعديل من الجروح المبهمة:

قال ابن الصلاح: (( ولقائل أن يقول: إنما يعتمد الناس في جرح الرواة وردّ حديثهم على الكتب التي صنّفها أئمة الحديث في الجرح أو في الجرح والتعديل، وقلّما يتعرضون فيها لبيان السبب، بل يقتصرون على مجرد قولهم: فلان ضعيف، وفلان ليس بشيء... ونحو ذلك، أو هذا حديث ضعيف، وهذا حديث غير ثابت... ونحو ذلك، فاشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل ذلك وسدّ باب الجرح في الأغلب الأكثر.

قال: وجوابه أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه في أن توقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك، بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية يُوجِبُ مثلُها التوّقف، ثم من انزاحت عنه الريبة منهم ببحث عن حاله أوجب الثقة بعدالته قبلنا حديثه ولم نتوقف كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهما ممن مسّهم مثل هذا الجرح من غيرهم )) (2) .

وقد نوقش هذا الجواب بما يلي:

1 ـ قول الحافظ ابن كثير: (( أما كلام هؤلاء الآئمة المنتصبين لهذا الشأن فينبغي أن يؤخذ مسلَّمًا من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم، واطلاعهم واضطلاعهم في هذا الشأن، واتصافهم بالإِنصاف والديانة والخبرة والنصح؛ لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل أو كونه متروكًا، أو كذابًا... أو نحو ذلك. فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفة في موافقتهم لصدقهم وأمانتهم ونصحهم.

(1) ... طبقات الشافعية الكبرى 2/21 ـ 22، وقاعدة في الجرح والتعديل ص 52.

(2) ... علوم الحديث ص 222.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت