فهرس الكتاب
وذلك لأن مع الجارح زيادةَ علمٍ بخفي حال الراوي لم يطَّلعْ عليها المعدِّلُ فالجارح مصدِّقٌ للمعدِّل في الحال الظاهرة ومبيّن لحال الراوي الخفية (1) .
وثمة ثلاثة أقوال أخرى فيما إذا زاد عدد المعدِّلين على عدد الجارحين هي:
1 ـ ما حكاه الخطيب البغدادي عن طائفة من أهل العلم: (( يُقدّم التعديل على الجرح ) ) (2) .
وذلك لأن كثرة المعدِّلين تقوي حالهم وتوجب العمل بخبرهم إذ الكثرة تفيد غلبة الظن بثبوت ذلك الحكم، وقلة الجارحين تُضَعِّف خبرهم (3) .
2 ـ ما حكاه البلقيني: (( يُقدّم قولُ الأحفظ من الأئمة المختلفين ) ) (4) .
ويمكن توجيهه بأن الأئمة ليسوا على درجة واحدة من الاطلاع على أحوال الرواة عامّة، بل منهم من تكلّم في أكثر الرواة، كابن معين، وأبي حاتم، ومنهم من تكلّم في كثير من الرواة، كالإمام مالك، وشعبة بن الحجاج، ومنهم من تكلّم في الرجل بعد الرجل، كسفيان بن عيينة، والإمام الشافعي (5) .
وقد يكون فيهم من هو أكثر معرفة بحال ذلك الراوي بخصوصه.
3 ـ ما حكاه السخاوي عن ابن الحاجب: (( أنهما يتعارضان فلا يقدّم أحدهما على الآخر إلّا بمرجح ) ) (6) .
وذلك لأن مع المعدِّل زيادةَ قوةٍ بالكثرة ومع الجارح زيادة قوة بالاطلاع على الباطن (7) .
والراجح: أن الأصل تقديم الجرح المفسر على التعديل، لكن ذلك ليس على إطلاقه، بل هو مقيَّد بضوابط الجرح والتعديل -كما سيأتي بعون الله تعالى-.
(1) ... انظر: الكفاية في علم الرواية ص 175، وعلوم الحديث ص 224.
(2) ... انظر: الكفاية في علم الرواية ص 177.
(3) ... انظر: الكفاية في علم الرواية ص 177، وفتح المغيث 1/307.
(4) ... انظر: محاسن الاصطلاح ص 224.
(5) ... انظر: ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل ص 158.
(6) ... فتح المغيث 1/308. ونص عبارة ابن الحاجب:"أما لو عَيَّنَ السبب ونفاه المعدِّل بطريق يقيني فيتعارضان فالترجيح". منتهى السؤل والأمل ص 80.
(7) ... انظر: فتح المغيث 1/308.