فهرس الكتاب
وأمّا إذا تعارض الجرح المبهم مع التعديل فقد حكى السخاوي عن أبي الحجاج المزّي وغيره: (( أن التعديل مُقدّم على الجرح المبهم ) ) (1) لكن ليس ذلك على إطلاقه أيضًا فإن توثيق الإمام المتساهل لا يُقدّم على جرح الإمام المعتدل.
وأما إذا تعارض الجرح والتعديل الصادران من إمام واحد، فلذلك حالتان. هما:
الحالة الأولى:
أن يتبين تغيرُ اجتهاد الإمام في الحكم على ذلك الراوي، فالعمل حينئذ على المتأخر من قوليه.
ومن ذلك قول عباس الدُّوري في ترجمة ثواب بن عتبة: (( سمعت يحيى يقول:"شيخ صدق"فإن كُنْتُ كتبتُ عن أبي زكريا(يحيى بن معين) فيه شيئًا، أنه ضعيف، فقد رجع أبو زكريا وهذا هو القول الأخير من قوله )) (2) .
والحالة الثانية:
أن لا يتبين تغيُّرُ اجتهاد الإمام في حكمه على الراوي، فالعمل على الترتيب التالي:
أ ـ يُطْلبُ الجمع بين القولين إن أمكن، كأن يكون التوثيق أو التضعيف نِسْبيًا لا مطلقًا، فإن المعدِّل قد يقول: (فلان ثقة) ولا يريد به أنه ممن يُحْتجُّ بحديثه وإنما ذلك على حسب ما هو فيه ووجه السؤال له، فقد يُسألُ عن الرجل الفاضل المتوسط في حديثه فيُقْرَنُ بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان وفلان وفلان؟. فيقول: (فلان ثقة) يريد أنه ليس من نمط من قُرنَ به (3) ، وقد يُقْرنُ بأوثقَ منه فيقول: (فلان ضعيف) أي بالنسبة لمن قُرِنَ به في السؤال، فإذا سئل عنه بمفرده بيَّن حاله في التوسط.
فقد سأل عثمان الدارمي يحيى بن معين عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه. فقال: (( ليس به بأس. قال: قلت: هو أحب إليك أو سعيد المقْبُري؟ فقال: سعيد أوثق والعلاء ضعيف ) ) (4) .
(1) ... انظر: فتح المغيث 1/307.
(2) ... التاريخ 4/272.
(3) ... انظر: لسان الميزان 1/17.
(4) ... تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي عن أبي زكريا يحيى بن معين ص 173 ـ 174.