الصفحة 71 من 200

فيخرج من هذا: أن البدع الغليظة كالتجهم يردّ بها الرواية مطلقًا والمتوسطة كالقدر إنما يردّ رواية الداعية إليها، والخفيفة كالإِرجاء. هل يقبل الرواية معها مطلقًا أو يردّ عن الداعية؟ على روايتين )) (1) .

فأما المذهب الأول، فهو كما قال ابن الصلاح: (( بعيد مباعِدٌ للشائع من أئمة الحديث، فإن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدّعاة، وفي الصحيحين كثير من أحاديثهم في الشواهد والأصول ) ) (2) .

ويجاب عن أدلة ذلك القول بمايلي:

أ ـ أنه لا يلزم من استواء الحكم في حق الكافر استواؤه في حق الفسّاق من أهل القبلة.

ب ـ أن قياس الفاسق المتأول على غير المتأول قياس الفارق؛ لأن الفاسق غير المتأول قد أوقع الفسق مجانةً وعنادًا. وأما المتأول فقد اعتقد ما يعتقده ديانة (3) .

جـ ـ أن تقييد قبول رواية المبتدع بكونه غير متهم باستحلال الكذب له أصل من قبول الصحابة أخبار الخوارج وشهاداتهم ومن جرى مجراهم من الفساق بالتأويل، ثم استمرار عمل التابعين والخالفين بعدهم على ذلك، لِمَا رأوا من تحريهم الصدق وتعظيمهم الكذب وحفظهم أنفسهم عن المحظورات من الأفعال وإنكارهم على أهل الريب والطرائق المذمومة، ورواياتهم الأحاديث التي تخالف آراءهم ويتعلق بها مخالفوهم في الاحتجاج عليهم )) (4) .

د ـ أن ما في الرواية عن المبتدعة من الترويج لأمرهم والتنويه بذكرهم يقابله ما في تركها من تفويت شطر من السنن منه ما تفرّدوا بحمله، ومنه ما توبعوا عليه، وقد أتقنوا حمله وأداءه.

وأما المذهبان الثاني والثالث فيُستخلص من مجموعهما أن مقتضى الاحتياط الشديد في قبول رواية المبتدع أن لا تقبل إلّا بالشروط التالية:

(1) ... شرح علل الترمذي 1/358.

(2) ... علوم الحديث ص 230.

(3) ... انظر: الكفاية ص200. فقد نقل الخطيب ذلك لكنه لم يرضه جوابًا لعدم الفرق لديه بين المتأول من الفساق وغير المتأول قياسًا على استواء الأمرين في حق الكافر.

(4) ... المصدر السابق ص 201.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت