الصفحة 74 من 200

وأما التشيع في عرف المتأخرين فهو الرفض المحض، فلا تقبل رواية الرافضي الغالي ولا كرامة )) (1) .

وقد ذكر الشيخ محمد بن محمد أبو شهبة ـ رحمه الله تعالى ـ توجيهًا دقيقًا لمثل هذه المواطن. فقال: (( إذا وجدنا بعض الأئمة الكبار من أمثال البخاري ومسلم لم يتقيّد فيمن أخرج لهم في كتابه ببعض القواعد فذلك لاعتبارات ظهرت لهم رجّحت جانب الصدق على الكذب والبراءة على التهمة.

وإذا تعارض كلام الناقد وكلام صاحبي الصحيحين فيمن أخرج لهم الشيخان من أهل البدع، قدّم كلامهما واعتبارهما للرواي على كلام غيرهما لأنهما أعرف بالرجال من غيرهما )) (2) .

ولعلَّه يقصد بهذه الاعتبارات مايلي:

أ ـ أن يكون اتهام الراوي بالبدعة ظنًا، فقد اتهم عبدُ الوارث بن سعيد التنوري البصري بالقدر لأجل ثنائه على عمرو بن عبيد، حيث قال: (( لولا أنني أعلم أنه صدوق ما حدّثت عنه ) ) (3) .

قال البخاري: (( قال عبد الصمد بن عبد الوارث: مكذوبٌ على أبي وما سمعت منه يقول في القدر قط شيئًا ) ) (4) .

ب ـ أن يكون نقل الابتداع مُخْتَلَفًا في ثبوته عن الراوي، فقد تكلم سعيد بن عبد العزيز التنوخي في حسّان بن عطية المحاربي من أجل القول بالقدر، وأنكر ذلك الأوزاعي (5) .

جـ ـ أن يثبت نقل الابتداع عن الراوي ويصح رجوعه عن البدعة وتوبته منها، فقد صح رجوع بشر بن السَّرِي البصري عن التجهم (6) .

د ـ أن يرى الراوي بدعة معينة يعتقدها ولا يتكلم فيها، فضلًا عن عدم دعوته إليها، فقد كان عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج يرى القدر.

قال أبو داود: (( لكنه كان لا يتكلم فيه ) ) (7) .

(1) ... تهذيب التهذيب 1/94.

(2) ... الوسيط في علوم ومصطلح الحديث ص 396.

(3) ... انظر: هدي الساري ص 422.

(4) ... المصدر السابق ص 422. وانظر: التاريخ الكبير 6/118.

(5) ... انظر: هدي الساري ص 396.

(6) ... انظر: سير أعلام النبلاء 9/333، وهدي الساري ص 393.

(7) ... هدي الساري ص 415.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت