الصفحة 76 من 200

قال الذهبي: هذه مسألة كبيرة، وهي: القدري والمعتزلي والجهمي والرافضي، إذا عُلِمَ صدقُه في الحديث وتقواه، ولم يكن داعيًا إلى بدعته، فالذي عليه أكثر العلماء قبول روايته، والعمل بحديثه، وترددوا في الداعية، هل يؤخذ عنه؟ فذهب كثير من الحفّاظ إلى تجنب حديثه، وهجرانه، وقال بعضهم: إذا علمنا صدقه وكان داعية، ووجدنا عنده سنّة تفرّد بها، فكيف يسوغ لنا ترك تلك السنّة؟ فجميع تصرفات أئمة الحديث تُؤْذِنُ بأن المبتدع إذا لم تُبِحْ بدعتُه خروجَه من دائرة الإِسلام، ولم تبح دمه، فإن قبول ما رواه سائغ.

وهذه المسألة لم تتبرهن لي كما ينبغي، والذي اتضح لي منها أن من دخل في بدعة، ولم يُعَدّ من رؤوسها، ولا أمعن فيها يُقبل حديثه كما مثل الحافظ أبو زكريا بأولئك المذكورين، وحديثهم في كتب الإِسلام لصدقهم وحفظهم )) (1) .

وأما من يُكَفَّر ببدعته. فقد قال الحافظ ابن كثير: (( لا إشكال في ردّ روايته ) ) (2) .

وهذا هو المختار وإلّا فقد حكى الحافظ ابن حجر الخلاف في ذلك فقال مُشِيرًا إلى البدعة المكفّرة: (( لا يَقْبَلُ صاحبَها الجمهورُ. وقيل: يُقبل مطلقًا. وقيل: إن كان لا يعتقد حِلَّ الكذب لنصرة مقالته قُبِلَ.

والتحقيق: أنه لا يردّ كل مكفّر ببدعته؛ لأن كل طائفة تَدَّعِي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفّر مخالفيها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف.

فالمعتمد أن الذي تُرد روايته من أنكر أمرًا متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه.

فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله )) (3) .

وقال أيضًا: (( الذي يظهر أن الذي يُحْكم عليه بالكفر:

1 ـ من كان الكفرُ صريحَ قولِه.

2 ـ وكذا من كان (الكفرُ) لازمَ قولِه وعُرِض عليه فالتزمه.

(1) ... سير أعلام النبلاء 7/153 ـ 154. ...

(2) ... اختصار علوم الحديث ص 83.

(3) ... نزهة النظر ص 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت