الصفحة 10 من 12

من مظاهر التحريف في هذا العصر أن يزعم أقوام فيه أن قتال الواحد والعشرة والعشرين والأربعين من المسلمين ليس بجهاد، كذلك دعوى عدم القتال وشرعيته إلا بوجود إمام مُمَكَّن، وهي دعوى عريضة ليس لها قوائم، بل مجرد تصورها كاف بالحكم عليها بالجهل والتباب، والقول بهذه الشروط وأمثالها من دعاوى كثيرة هي في الحقيقة مآلها إلى تعطيل الشريعة، وفيها دعوى الركون إلى الأرض، وليس هناك من حديث واحد يستطيع المُدّعي أن يستند إليه، أو يزعم أنّ فيه هذا المعنى، مع العلم أنّ القول بالشرطية هو من أبعد ما يخطر على بال طالب العلم، بل وأقوال أهل العلم طافحة بالرد عليه، والأدلة الشرعية النقلية فيها الغناء لرد هذا الغثاء:

1)قال ابن حزم رحمه الله تعالى: (مسألة: ويُغزى أهل الكفر مع كل فاسق من الأمراء وغير فاسق ومع المتغلب والمحارب، كما يُغزى مع الإمام، ويغزهم المرء وحده) [20] .

2)قال ابن قدامة المقدسي في المغني [21] : (فإن عُدِمَ الإمام لم يؤخر الجهاد، لأن مصلحته تفوت بتأخيره، فإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب الشرع) .

3)قال ابن تيمية: (ولهذا كانت السنة أن الذي يصلي بالناس هو صاحب الكتاب، والذي يقوم بالجهاد هو صاحب الحديد، إلى أن تفرق الأمر بعد ذلك، فإذا تفرق صار كل من قام بأمر الحرب من جهاد الكفار وعقوبات الفجار يجب أن يُطاع فيما أمر به من طاعة الله في ذلك) [22] .

4)قال الشوكاني: (وقد اختلف المسلمون في غزو الكفار إلى ديارهم هل يشترط فيه الإمام الأعظم أم لا؟ والحقّ أنّ ذلك واجب على كل فرد من أفراد المسلمين، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية مطلقة غير مقيدة) [23] .

ومن الأدلة على ذلك:

1)عدم وجود نص يفيد الشرطية:

قال صديق حسن خان: (والشرطية التي يؤثر عدمها في عدم المشروط كما أقره أهل الأصول لا يصلح للدلالة عليها إلا ما كان يفيد ذلك مثل نفي القبول أو نحو لا صلاة لمن صلى في مكان متنجس أو النهي عن الصلاة في المكان المتنجس لدلالة النهي عن الفساد، وأما مجرد الأمر فلا يصلح لإثبات الشروط) [24] .

فأين هذا النص الذي يفيد هذا لشرط؟ بل يوجد من الأحاديث ما يرد هذا المعنى كقوله صلى الله عليه وسلم: (الجهاد ماضٍ منذ أن بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل) [25] ، وقد تقدمت أحاديث الطائفة المنصورة وفيها هذا المعنى.

2)قوله تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا تفسك وحرض المؤمنين} .

قال القرطبي: (هي أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن المنافقين وبالجد في القتال في سبيل الله وإن لم يساعده أحد على ذلك) . ثم قال: (ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو لوحده) [26] .

3)حادثة أبي بصير رضي الله عنه: وقد تبين من قصته رضي الله عنه أنه لم يكن تحت راية إمام، إذ لم يلتزم بالعقد والعهد الذي عاهد الإمام الكفار عليه، وقاتلهم لوحده منفردًا دون راية إمام مُمَكَّن.

وحادثة أبي بصير ليست حادثة عين كما يظن بعضهم بل احتج فيها شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية كما ذكر ابن القيم في الزاد عند ذكره للفوائد الفقهية المستفادة من صلح الحديبية.

قال: (ومنها أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام، فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم، ولم يتحيزوا إلى الإمام لم يجب على الإمام دفعهم عنهم، ومنعهم منهم. وسواءٌ دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه أو لم يدخلوا، والعهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين لم يكن عهدًا بين أبي بصير وأصحابه بينهم. وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد، جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم، ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد، كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى ملطية وسبيهم، مستدلًا بقصة أبي بصير مع المشركين) [27] .

وقد قال الله تعالى: {وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} .

4)قول أبي بكر رضي الله عنه في قتال المرتدين: (والله لو لم يبق إلا الذر لجاهدتهم به) ، فانظر إلى الصديق رضي الله عنه كيف يرى وجوب مقاتلة هؤلاء المرتدين ولو وحده دون بقية الناس، فسبحان من قسَّم الهداية والعقول.

[20] المحلى 7/ 299

[22] الفتاوى ج 18/ 158.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت