مع ماتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بعدّة أسياف ومناط الجهاد هو {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} إلا أننا نعتقد أن قتال طوائف الردّة مقدّم على قتال غيرهم من المشركين والمنافقين وأهل الكتاب، وذلك لأسباب عدّة:
1)أنّهم أقرب إلينا من غيرهم:
قال تعالى: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة} .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولًا فأولًا، الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام، ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم وفتح الله عليهم مكة والمدينة والطائف واليمن واليمامة وهجر وخيبر وحضرموت وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجًا، شرع في قتال أهل الكتاب فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب) .
قال ابن قدامة: (مسألة:"ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو لأن الأقرب أكثر حرزًا، وفي قتاله دفع ضرره عن المقابل له وعمّن وراءه، والإشتغال بالبعيد عنه يمكّنه من انتهاز الفرصة في المسلمين لإشتغالهم عنه") . [11]
2)لكون المرتد أولى بالقتال من الكافر الأصلي:
قال تقي الدين ابن تيمية: (وقد استقرّت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة منها: أن المرتد يقتل بكل حال، ولايضرب عليه جزية، ولاتعقد له ذمة، بخلاف الكافر الأصلي، ومنها أن المرتد يقتل وإن كان عاجزًا عن القتال، بخلاف الكافر الأصلي) [12] .
وقال أيضًا: (وكفر الردّة أغلظ بالإجماع من الكفر الأصلي) [13] .
وقال أيضًا: (والصدّيق رضي الله عنه وسائر الصحابة بدأوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب، فإن جهاد هؤلاء حفظ لما فتح من بلاد المسلمين ... ) ثم قال: (وحفظ رأس المال مقدم على الربح) . [14]
3)أنّ قتالهم من جنس قتال الدفع:
قال ابن تيمية: (فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان) [15] .
وهذه الطائفة لا يُرى منها في بلاد المسلمين إلا إفسادًا للدين بنشر الفاحشة وترويج الرذيلة، وتزيين الكفر، ومطاردة الدعاة، ولا نرى منهم إلا إفسادًا للدنيا فنشروا الفقر، وباعوا مقدّرات الأمة من خيرات الله فيها إلى أعدائها، وربطوا حياة الشعوب بما يستورد من مفاسد الغرب من شؤون الحياة.
4)ولما كان الأمر الشرعي مطابق للأمر القدري، فإننا نرى أنه لم يصبح للكافرين على المسلمين سبيل إلا بحبل هؤلاء المرتدين، فمن الذي مكَّن لليهود في فلسطين، فكانت قوّاتهم وطوائفهم لا عمل لها إلا حماية هذا الكيان المسخ، ومن الذي جعل لقوات الكفر والشرك وجودًا في بلاد المسلمين على شكل عساكر وجنود وأسيادًا للمال والحياة، إنهم بلا شك قادة الردّة وطوائفهم.
[11] المغني مع الشرح الكبير ج 10 ص 372،373.
[12] مجموع الفتاوى 28 ص 534.
[15] الفتاوى الكبرى 4/ 608.