58 -العقلُ لا يَقدِرُ أنْ يَحُدَّهْ ... إلا إلهُ العالمينَ وحدَهْ
59 -لأنَّه خَصيصَةٌ أودَعهَا ... في الآدميِّ جَلَّ مَنْ أبدعهَا
60 -وكُلُّ ذي رُوْحٍ لَهُ إلهامُ ... تَعجزُ عَن إدراكِهِ الأفهامُ
61 -كالنَّحلِ خُصَّ ببديعِ الهندَسَةْ ... حَتَّى بَنَى بُيُوْتَهُ مُسَدَّسَةْ
62 -وهكذا خصائصُ الأحجارِ ... مِنْ حِكمةِ المهيمِنِ الجبَّارِ
63 -وقدْ أطالَ البحثَ عنهُ السلفُ ... وزادَ في الغَوصِ عليهِ الخَلَفُ
64 -واضطربتْ عبارةُ الأوائلِ ... في حَدّهِ ومَا أَتَوْا بطائلِ
65 -وهُم أولو العُلومِ بالطَّبائِعِ ... لا عِلْمَ إلا للبَديعِ الصَّانِعِ
66 -وأكثَروا التَّحديدَ والتَخليطا ... حتَّى دَعَوْهُ جوهرًا بسيطا
67 -وبعضُهُم أقرَّهُ في الرَّاسِ ... وخصَّهُ بالقلبِ بعضُ الناسِ
68 -فأقربُ الحدودِ في المعقولِ ... ما قالَهُ أئمةُ الأصولِ
69 -وقد حكاهُ صاحبُ الإرشادِ ... فيهِ وقدْ عُدَّ منَ الأفرادِ
70 -بعضُ العلومِ ثُمَّ زَادَ وَصَفَا ... وهُو الضَّروريةُ ليسَ يخفى
71 -هذا هو المختارُ فيما ذَكروا ... وهْوَ على التَّحقيقِ حَدٌّ مُنكَرُ
72 -فإنْ يكُن بعضُ العلومِ مطلقَا ... لا يعرفونَ عينَه مُحقَّقَا
73 -فَهم بِهِ من جُملةِ الجُهَّالِ ... وما حَكَوْهُ ظاهرُ الإجمالِ
74 -وإنْ يكُن عندَهُم مُعَيَّنَا ... هَلَّا أتَى في لَفظهم مُبَيَّنَا
75 -فإنَّ أنواعَ العُلومِ سِتَّةْ ... ليس لها نوعٌ سِواها بَتَّةْ
76 -تُدرَكُ بالرؤيةِ والسَّمْعِ وما ... أذكرُهُ من بعدُ حتَّى تفهَما
77 -الشمُّ واللمسُ معًا والذوقُ ... فهذِهِ الخمْسُ إليها التَّوْقُ
78 -وَمُدْرِكُ السادسِ من أنواعها ... النَّفْسُ إذ ذلكَ من طِباعهَا
79 -كعلمِ كُلِّ عاقلٍ بصحَّتِهْ ... وسُقمِهِ وعَجزهِ وقُدرتِهْ
80 -وَالفَرَحِ الحادثِ والآلامِ ... ثمَّ العَمَى والقصدِ بالكلامِ
81 -والقَطعِ في الأخبارِ بالتَّصديقِ ... أو ضِدّهِ فيها على تحقيقِ
82 -وأنَّ ما قَامَ بهِ السُّكونُ ... إذ كانَ في التحريكِ لا يكونُ
83 -وما أحالَ العقلُ في الأضدادِ ... كالجمعِ للبياضِ والسَّوادِ
84 -وما تواترتْ بهِ الأخبارُ ... فاسمعْ فهذا قالَهُ الأحبارُ
85 -كالعلمِ بالملوكِ والأمصارِ ... وما جرى في غابرِ الأعصارِ
86 -ومعجزاتِ الأنبيا كمُوسى ... والمصطفى محمَّدٍ وعيسى
87 -فَخَصِّصِ العقلَ بنوعٍ منها ... تجدهُ عندَ السَّبْرِ ينأى عنها
88 -واعلمْ هُدِيْتَ إنما تجوَّزوا ... كي لا يُقَالَ إنَّهُم قد عجزوا
89 -وهُم أولو القرائحِ الوَقَّادَةْ ... والعلمِ والسُّؤدَدِ والسّيادَةْ