فهرس الكتاب
وقد تَبَيَّنَ ممَّا ذَكَرنا: أَنَّ خالِقَ العَقلِ وواهِبَهُ للإنسانِ بَيَّنَ في آياتٍ قُرآنِيّةٍ كَثيرةٍ أنَّ محلَّ العقلِ القلبُ , وخالِقُهُ أعلمُ بمكانِهِ مِن كَفَرَةِ الفَلاسِفَةِ .
وكذلكَ رسولُ اللهِ صَلَّى الله عَليهِ وآلِهِ وَسَلِّم كما رَأَيتَ .
أمَّا عامَّةُ الفَلاسِفَةِ إلاَّ القليلُ النَّادِرِ مِنهُم فإنَّهم يَقولونَ: أَنَّ محلَّ العقلِ الدِّماغُ .
وشذَّت طائفةٌ مِن مُتأخِّريهم: فزَعَموا أنَّ العَقلَ ليسَ لهُ مَركَزٌ مَكانِيٌّ في الإنسانِ أَصلاً ؛ وإنَّما هو زَمانِيٌّ مَحضٌ لا مَكانَ لهُ .
وقولُ هؤلاءِ أَظهَرُ سُقوطاً مِن أنْ يُشْتَغَلُ بِالكَلامِ عَلَيهِ .
ومِن أشهرِ الأَدلَّةِ التي يَستَدِلُّ بها القائلونَ مِنْ أنَّ محلَّ العقلِ الدِّماغُ ؛ هو: أنَّ كلَّ شيءٍ يُؤثِّرُ في الدِّماغِ يُؤثِّرُ في العقلِ .
ونحنُ لا نُنكِرُ أنَّ العقلَ قد يَتَأَثَّرُ بِتَأَثُّرِ الدِّماغِ ؛ ولكن نَقولُ بِموجِبِهِ , فنقولُ: سَلَّمنا أنَّ العقلَ قد يَتَأَثَّرُ بِتَأَثُّرِ الدِّماغِ ، ولكن لا نُسَلِّمُ أنَّ ذلكَ يَستَلزِمُ أنَّ محلَّهُ الدِّماغُ:
فَكَم مِن عُضوٍ مِن أعضاءٍ الإنسانِ خارِجٌ عَنِ الدِّماغِ بلا نِزاعٍ وهوَ يَتَأَثَّرُ بِتَأَثُّرِ الدِّماغِ كما هوَ معلومٌ .
وكَم مِن شَلَلٍ في بعضِ أعضاءِ الإنسانِ ناشِئٌ عَن اختلالٍ واقِعٍ في الدِّماغِ .
فالعقلُ خارِجٌ عَن الدِّماغِ ؛ ولكنَّ سَلامَتَهُ مَشروطَةٌ بِسلامَةِ الدِّماغِ ؛ كالأعضاءِ التي تختلُّ باختِلالِ الدِّماغِ ؛ فإنَّها خارِجَةٌ عنهُ معَ أنَّ سلامَتَها مَشروطٌ فيها سلامَةُ الدِّماغِ كما هوَ معروفٌ .
وإظهارُ حُجَّةَ هؤلاءِ والرَّدُّ عليها على الوجهِ المعروفِ في (آدابِ البحثِ والمناظرةِ) :