وقد لان منه جانب وخطاب ... قال ابن القيم: (وكان محرما ثم مأذونا به ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورا به لجميع المشركين) [137] .
قال عبد الملك البراك: (كان هذا هو المنهج الذي أوحاه الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في دعوته النّاس للدخول في هذا الدين العظيم، وقد سار على هذا النهج الصحابة الكرام رضي الله عنهم ومن جاء بعدهم، وذلك بيّن لمن قرأ تاريخهم وتتبع سيرتهم، إلا أن الأهواء بعد تلك العصور الطيبة داخلت نفوسا كثيرة صاحبها طول الأمل والحرص على الدنيا وملذاتها وكراهية الموت، فظهرت مناهج تترا، كلما هلك منهج خلفه آخر، وإلى الله المشتكى) [138] .
قال السيد قطب - معلقا على سرد بن القيم لمراحل تشريع الجهاد، السمة الأولى:(هي الواقعية والجدية في نهج هذا الدّين ... فهو حركة تواجه واقعا بشريا وتواجهه بوسائل مكافئة لوجوده الواقعي، أنها تواجه جاهلية اعتقادية تصورية تقوم عليها أنظمة واقعية عملية، تسندها سلطات ذات قوة مادية، ومن ثم تواجه الحركة الإسلامية هذا الواقع كله بما يكافئه، تواجهه بالدعوة والبيان لتصحيح المعتقدات والتصورات، وتواجهه بالقوة والجهاد لإزالة الأنظمة والسلطات القائمة عليها، تلك التي تحول بين جمهرة النّاس وبين التصحيح بالبيان للمعتقدات والتصورات، وتخضعهم بالقهر والتضليل، وتعبّدهم لغير ربهم الجليل، إنها حركة لا تكتفي بالبيان في وجه السلطان المادي، كما أنها لا تستخدم القهر المادي لضمائر الأفراد، وهذه كتلك سواء في نهج هذا الدين، وهو يتحرك لإخراج النّاس من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحدة.
السمة الثانية: في منهج هذا الدين هي الواقعية الحركية، فهو حركة ذات مراحل، كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية، وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها، فهو لا يقابل الواقع بنظريات مجردة، كما أنه لا يقابل مراحل هذا الواقع بوسائل متجمدة، والذين يسوقون النصوص القرآنية للاستشهاد بها على منهج هذا الدين في الجهاد ولا يراعون هذه السمة فيه ولا يدركون طبيعة المراحل التي مرّ بها هذا المنهج وعلاقة النّصوص المختلفة بكل مرحلة منها، الذين يصنعون هذا؛ يخلطون خلطا شديدا، ويلبسون نهج هذا الدين لبسا مضللا، ويحمّلون النصوص ما لا تحتمله من المبادئ والقواعد النهائية، ذلك انهم يعتبرون كل نص منها كما لو كان نصا نهائيا يمثل القواعد النهائية في هذا الدين، فيقولون - وهم مهزومون روحيا وعقليا تحت ضغط الواقع اليائس لذراري المسلمين الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان -؛ الإسلام لا يجاهد إلا للدفاع، ويحسبون أنهم يسدون إلى هذا الدين جميلا بتخليه عن منهجه، وهو إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعا وتعبيد النّاس لله وحده وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد، لا بقهرهم على اعتناق عقيدته، ولكن بالتخلية بينه وبين هذه العقيدة بعد تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة، أو قهرها حتى تدفع الجزية وتعلن استسلامها والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة، تعتنقها أو لا تعتنقها بكامل حريتها، إنهم يعلمون جيدا أنهم لا يستطيعون السيطرة على الأمّة إذا كانت تملك وسائل الجهاد ... وإذا أردت أن تعرف فضل الجهاد وأهميته؛ فقارن بين حالة المسلمين قبل أن يشرع لهم الجهاد وحالتهم بعد أن فرض عليهم الجهاد، وقد صوّر الشاعر هذا المعنى بقوله:
دعا المصطفى دهرا بمكة لم يجب
له أسلموا واستسلموا وأنابوا ... فلما دعا والسيف صلت بكفه
بالجهاد قامت دولة الإسلام واتسعت حتّى عمّ الإسلام جزيرة العرب، وحتّى استولى المسلمون بالجهاد على ممالك كسرى وقيصر وأصبحوا سادة الدنيا وقادتها ... )اهـ.
قال ابن حجر: (قال بن دقيق العيد، القياس يقتضي أن يكون الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل، لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين ونشره وإخماد الكفر ودحضه ففضيلته بحسب فضيلة ذلك والله أعلم) [139] .
[137] زاد المعاد: 2/ 58.
[138] ردود على البوطي: ص32، [ (عبد الملك البراك؛ هو الاسم الذي كتب به الشيخ عبد الآخر حماد، كتابه في الرد على البوطي في كتابه عن الجهاد) المنبر] .
[139] فتح الباري: 6/ 5.