التوحيد لغة؛ من واحد، أي وحّد أي أفرد، واصطلاحا؛ إفراد الله بما يستحق من التنزيه والعبادة.
"اعلم؛ أن التوحيد أوّل دعوة الرسل وأول منازل الطريق وأوّل مقام يقوم فيه السالك إلى الله عز وجل: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} ."
وقال صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) [13] .
والتوحيد ثلاثة أنواع؛ أحدها الكلام في الصفات، والثاني توحيد الربوبية وبيان أن الله وحده خالق كل شيء، والثالث توحيد الإلهية؛ وهو استحقاقه سبحانه أن يعبد وحده لا شريك له" [14] ."
"وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد - توحيد الإثبات والمعرفة وتوحيد الطلب والقصد - فإن القرآن؛ إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله؛ فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه؛ فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته؛ فذلك من حقوق التوحيد ومكمّلاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة؛ فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحلّ بهم في العقبى من العقاب؛ فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كلّه في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم" [15] .
واعلم؛ أن من تمام التوحيد تجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
"فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد لأمره، وتلقّي خبره بالقبول والتصديق، دون أن يعارضه بخيال باطل يسمّيه معقولا، أو يقدّم آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فيوحّده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان كما وحَّد المرسِل، بالعبادة والخضوع والذلّ والإنابة والتوكّل، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما، توحيد المرسِل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا يُحاكم إلى غيره ولا يرضى بحكم غيره، ولا يقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عَرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظّمه فإن أذنوا له نفّذه وقبل خبره [16] ، وإلا فإنْ طلب السلامة فوّضه إليهم وأعرض عن أمره وخبره وإلاّ حرّفه عن مواضعه، فلأن يلقى العبد ربّه بكل ذنب ما خلا الإشراك بالله خير له من أن يلقاه بهذا الحال" [17] .
"ولا شك أن من لم يُسلّم للرسول؛ نقص توحيده، فإنه يقول برأيه وهواه أو يقلّد برأيه ذا رأي وهوى بغير هدىً من الله، فينقص توحيده بقدر خروجه عما جاء به، فإنه قد اتّخذ في ذلك إلها غير الله" [18] اهـ.
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (دين النبي صلى الله عليه وسلم؛ التوحيد، وهو معرفة لا إله إلا الله محمد رسول الله والعمل بمقتضاها، فإن قيل: كل الناس يقولونها! قيل منهم من يقولها ويحسب معناها أنه لا يخلق إلاّ الله ولا يرزق إلاّ الله وأشباه ذلك، ومنهم من لا يفهم معناها، ومنهم من لا يعمل بمقتضاها، ومنهم من لا يعقل حقيقتها، وأعجب من ذلك من عرفها من وجه وعاداها وأهلها من وجه، وأعجب منه من أحبّها وأنسب إلى أهلها ولم يفرّق بين أوليائها وأعدائها، يا سبحان الله أتكون طائفتين مختلفتين في دين واحد وكلّهم على الحق؟! كلا والله فماذا بعد الحق إلا الضلال) اهـ.
[13] البخاري ومسلم.
[14] شرح العقيدة الطحاوية باختصار: ص21 و 24.
[15] شرح الطحاوية: ص42 - 43.
[16] وهذا حال من يوقفون تنفيذ الشريعة على أمر الحكام وإذنهم أو تصويت البرلمان، وكذلك النسبة للدول والتجمعات التي تترك العمل بالتوحيد وتعمل بالكفر أو الشرك وتحتج باعذار واهية مثل خشية الطائفية أو الحرب الأهلية أو خشية المقاطعة الإقتصادية أو العزلة السياسية أو الدول الإقليمية أو العالمية أو خشية ذهاب الملك ... الخ من الأعذار الباطلة المعاصرة التي يحتج بها لعدم تطبيق الشريعة وفرض التوحيد.
[17] شرح الطحاوية: ص228 - 229.
[18] شرح الطحاوية: ص234.