إذا علمنا أن الإله هو المعبود، لزم معرفة معنى العبادة.
العبادة لغة؛ التذلّل والخضوع والطاعة والدينونة، واصطلاحا؛ تختلف باعتبارات، باعتبار العبد؛ هي الذلّ والخضوع لله بالطاعة، وباعتبار المتعبّد به؛ هي اسم جامع لكل ما يحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
ومن أخصّ ما يدخل في مسمّى العبادة ما يلي:
-الطاعة:
اعلم أنه لا يطاع لذاته إلاّ الله عز وجل، وما سواه - أيا كانت صفته وهيئته - فإنه يطاع لله، وأيما مخلوق يطاع لذاته؛ فهو مألوه معبود، والمطيع له على هذا الوجه هو عبد له، قال تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} ، أي أطعتموهم في استحلال أكل الميتة، ونوع العبادة والتأليه للمخلوق هنا يكمن في طاعة المشركين في أخصّ خصّيصة من خصوصيات الله عز وجل، وهي خاصية التحليل والتحريم والتحسين والتقبيح.
قال ابن حزم في الاحكام: (العبادة إنما هي الإتّباع والانقياد، مأخوذة من العبودية، وإنما يعبد من ينقاد له ومن يتّبع أمره، وأما من يعصي ويخالف؛ فليس بعابد له، وهو كاذب في ادّعائه أنه يعبده) [19] اهـ.
ومما يوضّح ذلك أكثر قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} .
قال البغوي في التفسير: (فإن قيل؛ أنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان بمعنى الركوع والسجود، قلنا؛ معناه أنهم أطاعوهم في معصية الله واستحلّوا ما أحلّوا وحرّموا ما حرّموا، فاتّخذوهم كالأرباب، وفي حديث عدي بن حاتم قال صلى الله عليه وسلم:"فتلك عبادتهم"، فتأمل كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم طاعة الأحبار والرهبان في تحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّ الله عبادة لهم واتّخاذهم أربابا من دون الله، ولو أمروهم أن يصلّوا ويصوموا لهم لما أطاعوهم، ولكن جاؤوهم من جهة الطاعة والانقياد، وهذا أمر تخفى فيه صفة العبودية على الكثير من الناس، فأطاعوهم وعبدوهم من دون الله من هذا الوجه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فمن جعل غير الرسول تجب طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه، وإن خالف أمر الله ورسوله، فقد جعله ندا، وربما صنع به كما تصنع النصارى بالمسيح، فهذا من الشرك الذي يدخل صاحبه في قوله تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} ) اهـ.
قال سيد قطب: (عندما يدعي عبد من العبيد أن له على الناس حق الطاعة لذاته، وأن له فيهم حق التشريع لذاته، وأن له كذلك حق إقامة القيم والموازين لذاته، فهذا هو ادعاء الألوهية، ولو لم يقل كما قال فرعون: {أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى} ، والإقرار به هو الشرك بالله أو الكفر به، وهو الفساد في الأرض أقبح الفساد ... إن الذي يملك حق التحريم والتحليل هو الله وحده، وليس ذلك لأحد من البشر، لا فرد ولا طبقة ولا أمة ولا الناس أجمعين، إلا بسلطان من الله وفق شريعة الله ... ) [20] اهـ.
-التحاكم:
فإن كان العبد يتحاكم في جميع شؤون حياته الخاصة والعامة إلى شرع الله تعالى فهو عبد لله عز وجل، وإن كان يتحاكم إلى شرع غيره - أيا كان - ولو في جزئية من جزئيات حياته، فهو عبد لهذا الغير، وسرّ ذلك؛ أن الحكم والتشريع وسنّ القوانين والقيم والموازين يعتبر من أخصّ خصوصيات الإلهية - كما سبق في كلام سيد قطب رحمه الله - قال تعالى: {إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} .
قال البغوي: (إن الحكم، ما القضاء والأمر والنهي إلاّ لله) اهـ.
وقال سيد قطب: (إن الحكم لا يكون إلا لله، فهو مقصور عليه سبحانه بحكم ألوهيته، إذ الحاكمية من خصائص الألوهية، من ادعى الحق فيها فقد نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته، سواء ادعى هذا الحق فرد أو طبقة، أو حزب، أو هيئة، أو أمة، أو الناس جميعا في صورة منظمة عالمية، ومن نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته وادعاها فقد كفر بالله كفرا بواحا، يصبح به كفره من المعلوم من الدين بالضرورة، حتى بحكم هذا النص وحده، وادعاء هذا الحق لا يكون بصورة واحدة هي التي تخرج المدعي من دائرة الدين القيم، وتجعله منازعا لله في أولى خصائص ألوهيته سبحانه فليس من الضروري أن يقول: ما علمت لكم من إله غيري، أو يقول: أنا ربكم الأعلى، كما قاله فرعون جهرة، ولكنه يدعي هذا الحق وينازع الله فيه بمجرد أن ينحي شريعة الله عن الحاكمية، ويستمد القوانين من مصدر آخر، وبمجرد أن يقرر أن الجهة التي تملك الحاكمية، أي التي تكون هي مصدر السلطات، جهة أخرى غير الله سبحانه، ولو كان هو مجموع الأمة أو مجموع البشرية ... ) [21] اهـ.
وفي قوله: {أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} ، قال: (حين نفهم معنى العبادة على هذا النحو - وهو الدينونة لله وحده، والخضوع له وحده، واتباع أمره وحده - نفهم لماذا جعل يوسف عليه السلام اختصاص الله بالعبادة تعليلا لاختصاصه بالحكم، فالعبادة - أي الدينونة - لا تقوم إذا كان الحكم لغيره) .
فلا دين قيما سوى هذا الدين الذي يتحقّق فيه اختصاص الله بالحكم تحقيقا لاختصاصه بالعبادة.
ومن الأدلة كذلك قوله تعالى: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [22] .
وقال الشنقيطي رحمه الله: (المعنى ولا يشرك الله جل وعلا أحدا في حكمه بل الحكم له وحده جل وعلا لا حكم لغيره البتة، فالحلال ما أحله تعالى والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، والقضاء ما قضاه، وحكمه جل وعلا المذكور في قوله: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} شامل لكل ما يقضيه جل وعلا، ويدخل في ذلك التشريع دخولا أوليا) اهـ.
وقال رحمه الله في"الأضواء": (الإشراك بالله في حكمه والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد، لا فرق بينهما البتة، فالذي يتّبع نظاما غير نظام الله وتشريعا غير تشريع الله ومن كان يعبد الصنم ويسجد للوثن، لا فرق بينهم البتة، فهما واحد، وكلاهما مشرك بالله) .
وقال: (ويُفهم من هذه الآيات، كقوله تعالى: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} ، أن مبتغي أحكام المشرّعين غير ما شرعه الله إنهم مشركون بالله) اهـ.
وكذا قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} .
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: (فإن قوله عز وجل: {يَزْعُمُونَ} ، تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبد أصلا، بل الإيمان ينافي الآخر) اهـ.
قال الشنقيطي: (يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب ... وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم؛ إلا من طمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم) [23] اهـ.
-الحب والكره - الموالاة والمعاداة:
فمن كانت موالاته ومعاداته وحبه وكرهه لله، بحيث يحب ما يحب الله ويكره ما يكرهه الله، ويوالي من يوالي الله ورسوله ويعادي من يعادي الله ورسوله، فهو عبد لله تعالى وحده، ومن كان مناط حبه وكرهه وموالاته ومعاداته غير الله فهو عبد لهذا الغير.
فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحب لله وابغض لله وأعطى لله ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان) .
واعلم رحمك الله؛ أن الله تعالى لا يقبل العبادة بمعناها العام الشامل من عبده إلاّ إذا كانت كلها خالصة لوجهه الكريم، فإفراد الله تعالى بالإتباع والطاعة والتحاكم كل هذا داخل في إفراده بالعبادة الذي هو توحيد الألوهية، تماما كإفراده بالصلاة والدعاء والنسك، فلو أن رجلا أخلص العبادة لله تعالى في النسك والركوع والسجود وغيرها، لكنه أشرك معه آخر في الحب والإتباع والطاعة والتحاكم، فالشرك في واحدة من هذه الأمور كفيلة بان توبق صاحبها في جهنم [24] .
-فائدة:
بعد أن عرفنا أن من أقسام التوحيد توحيد الألوهية، وعرفنا أن الإله هو المعبود؛ أي الألوهية هي العبودية، وعرفنا معنى العبادة وبعض لوازمها.
فاعلم - هداك الله وإيانا إلى سواء السبيل -"أن الكفار جحدوا توحيد الألوهية وقاتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الجحود، وهم مقرّون بتوحيد الربوبية، لكنهم يفعلون الشركيات ويشرّعون القوانين ويذبحون لغير الله ويطيعون رؤساءهم، فاعتقادهم في الربوبية لم يدخلهم في الألوهية الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالتوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة، ويسمّى توحيد الألوهية، ويسمى توحيد الله بأفعال العباد، لكن باعتبار إضافته إلى الله يسمّى توحيد الألوهية، وباعتبار إضافته إلى العبد يسمّى توحيد العبادة، أو توحيد القصد أو توحيد الإخلاص" [25] .
[19] الاحكام: 1/ 93.
[20] طريق الدعوة في ظلال القرآن: 2/ 170.
[21] في ظلال القرآن: 4/ 1990
[22] وفي قراءة {ولا تشرك} أي الخطاب للمسلم ألا يشرك في حكم الله أحدا أي لا يتحاكم لغيره.
[23] أضواء البيان: 4/ 73 - 74.
[24] راجع كتاب"الطاغوت"لأبي بصير حليمة، و"الجامع"لعبد القادر بن عبد العزيز.
[25] شرح كشف الشبهات، لعلي الخضير: ص19.