فهرس الكتاب

الصفحة 2645 من 2690

ج / 8 ص -270- ابن التين عن الداودي قال الذي أحدثه القضاة من شدة الاحتجاب وإدخال بطائق من الخصوم لم يكن من فعل السلف اهـ . قلت: صدق لم يكن من فعل السلف ولكن من لنا بمثل رجال السلف في آخر الزمان فإن الناس اشتغلوا بالخصومة لبعضهم بعضًا فلو لم يحتجب الحاكم لدخل الخصوم وقت طعامه وشرابه وخلوه بأهله وصلاته الواجبة وجميع أوقات ليله ونهاره وهذا مما لم يتعبد اللّه به أحدًا من خلقه ولا جعله في وسع عبد من عباده وقد كان المصطفى صلى اللّه عليه وآله وسلم يحتجب في بعض أوقاته وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى أنه كان بوابًا للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لما جلس على قف البئر في القصة المشهورة وإذا جعل لنفسه بوابًا في ذلك المكان وهو منفرد عن أهله خارج عن بيته فبالأولى اتخاذه في مثل البيت وبين الأهل وقد ثبت أيضًا في الصحيح في قصة حلفه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن لا يدخل على نسائه شهرًا أن عمر استأذن له الأسود لما قال له يا رباح استأذن لي فذلك دليل على أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يتخذ لنفسه بوابًا ولولا ذلك لاستأذن عمر لنفسه ولم يحتج إلى قوله استأذن لي وقد ورد ما يخالف هذا في الظاهر وهو ما ثبت في الصحيح في قصة المرأة التي وجدها تبكي عند قبر فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوابًا والجمع ممكن أما أولًا فلأن النساء لا يحجبن عن الدخول في الغالب لأن الأمر الأهم من اتخاذ الحاجب هو منع دخول من يخشى الإنسان من إطلاعه على ما لا يحل الإطلاع عليه وأما ثانيًا فلأن النفي للحاجب في بعض الأوقات لا يستلزم النفي مطلقًا وغاية ذلك أنه لم يكن له صلى اللّه عليه وآله وسلم حاجب راتب .

قال ابن بطال: الجمع بينهما أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا لم يكن في شغل من أهله ولا انفراد بشيء من أمره رفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة وبمثله قال الكرماني .

وقد ثبت في قصة عمر في منازعة أمير المؤمنين علي والعباس في فدك أنه كان له حاجب يقال له يرفا .

قال ابن التين متعقبًا لما نقله عن الداودي في كلامه المتقدم إن كان مراده البطائق التي فيها الإخبار بما جرى فصحيح يعني أنه حادث وإن كان مراده البطائق التي يكتب فيها للسبق ليبدأ بالنظر في خصومة من سبق فهو من العدل في الحكم اهـ . قلت ومن العدل والتثبت في الحكم أن لا يدخل الحاكم جميع من كان ببابه من المتخاصمين إلى مجلس حكمه دفعة واحدة إذا كانوا جمعًا كثيرًا ولا سيما إذا كانوا مثل أهل هذه الديار اليمنية فإنهم إذا وصلوا إلى مجلس القاضي صرخوا جميعًا فيتشوش فهمه ويتغير ذهنه فيقل تدبره وتثبته بل يجعل ببابه من يرقم الواصلين من الخصوم الأول فالأول ثم يدعوهم إلى مجلس حكمه كل خصمين على حدة فالتخصيص لعموم المنع بمثل ما ذكرناه معلوم من كليات الشريعة وجزئياتها مثل حديث نهي الحاكم عن القضاء حال الغضب والتأذي بأمر من الأمور كما سيأتي وكذلك أمره بالتثبت والاستماع لحجة كل واحد من الخصمين وكذلك أمره باجتهاد الرأي في الخصومة التي تعرض .

قال بعض أهل العلم: وظيفة البواب أو الحاجب أن يطالع الحاكم بحال من حضر ولا سيما من الأعيان لاحتمال أن يجيء مخاصمًا والحاكم يظن أنه جاء زائرًا فيعطيه حقه من الإكرام الذي لا يجوز لمن يجيء مخاصمًا انتهى . ولا شك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت