فمن الناس من يقول إن الإنسان مسير في جميع أعماله وفق ما قدره الله عليه في الأزل وسبق به علمه وجرى به قلمه من طاعة وعصيان وسعادة وشقاء ولا خيار له ولا قدرة له البتة، بل مجبور مقهور على كل شيء ويستدلون على هذا بظواهر آيات من القرآن كقوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 96] ، تدل على أنه تعالى الخالق لجميع أعمال الإنسان وقوله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا} [الدهر: 3] وقوله تعالى: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} [الأنعام: 59] ، ويسمى هذا الفريق (بالجبرية) .
ويعترض عليهم جماعة من المعتزلة تدعى (بالقدرية) حيث قالوا إذا كان الأمر كذلك يكون الحساب والعقاب على أمر أراده الله وقضى به في الأزل ظلمًا والله سبحانه وتعالى منزه عن الظلم ومعنى ما قاله الجبرية أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يريد الخير والشر مع أن إرادة الشر قبيحة والله منزه عن إرادة القبائح، ولأجل أن يخلص القدرية من هذا قالوا إن الإنسان يخلق جميع أعمال نفسه الاختيارية خيرًا كانت أو شرًا، وبالغ الأولون منهم في الأمر إلى درجة أنهم زعموا أن الله تعالى لم يقدر الأمور من الأزل وأن الأمر أُنفٌ أي يستأنفه علمًا حال وقوعه، ومن أجل هذا لقبوا بالقدرية لمبالغتهم في نفي القدر الإلهي وإثباته لأنفسهم مع أن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان. وقد انقرضت هذه الطائفة التي عرفت بالقدرية الأولى.
وثم فريق آخر من (المعتزلة) يقولون إن إرادة الله لا تتعلق بالشرور والنقائص ولذلك فإن فعل المعاصي لم يكن بإرادة الله ولا قضائه وقدره ولذلك يعاقب عليها الإنسان.