ويقول جمهور أهل السنة إن الله قد منح الإنسان قوة محدودة ومشيئة تتوقف عليها أعماله الاختيارية على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان لقوله تعالى: {من عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 41] ، ويبدون منتهى التسليم لله إذ يقولون: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 3] ، كما يقولون إن يعذبنا الله فبعدله وإن يثيبنا فبمحض فضله. وقد أمرني والدي رحمه الله أن لا أطالع كتب أهل الكلام التي قد تشكك الإنسان في عقيدته وتزلزل إيمانه وأن أسير على طريقة السلف الصالح رضي الله عنهم فلا آخذ العقائد إلا من كتاب الله وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني إذ أريد أن أكتب في موضوع القضاء والقدر يبدو لي أن السبب فيما كان من الخلاف حول هذا الباب راجع إلى أمرين اثنين:
الأول: خلطهم بين مشيئة الله وإرادته وقضائه وقدره وأمره وعلمه وعدم التفرقة بينهما متأثرين في ذلك بما جرى عليه واضعوا كتب اللغة من دلالة الكلمات على عدة معان وترادف بعضها لبعض، وإذا جاز لنا أن نأخذ بهذا في استعمال تلك العبارات في لغة التخاطب فيما بيننا فإنه يجب أن نلاحظ أنه بالنسبة لكلام الله وأحكامه جل وعلا لا بد أن يكون هناك فارق ولو بسيط في التمييز بين المعاني المقصودة من الكلمات فلكل كلمة في القرآن مدلولها ومرماها البعيد وإن غم علينا شيء من ذلك فالله أعلم بمراده منها.
الثاني: إندفاعهم في البحث في هذا الأمر على ضوء نظريات فلسفية وافتراضات خيالية لا تصل بهم إلى الحقائق كما هي في علم الله. محاولين بذلك تطبيق أفعال الله وتصرفاته على أفعالهم وتصرفاتهم