قلنا إن إرادة الله الحقيقية لا يعلم بها أحد سواه وفقًا لما جاء في القرآن على لسان عيسى ابن مريم عليه السلام من قوله: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} [المائدة: 129] ، وإنما تنقسم في ظاهرها إلى قسمين:
الأولى: إرادة كونية قدرية وهي التي سبقت مشيئته بخلق جميع الكائنات وما سنه لها من نظام قضائه وقدره وإليها أشار تعالى بقوله على لسان نوح عليه السلام: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} [هود: 34] ، أي إن كنتم ممن شملتكم إرادة الله السابقة لنظام قضائه وقدره.
والثانية: إرادة دينية أمرية وهي التي تتعلق بما يحبه الله تعالى لعباده ويرضاه منهم وهي لا تنطوي إلا على الخير المطلق وإليها أشار تعالى بقوله: {ولا يرضى لعباده الكفر} [الزمر: 7] ، وقوله: {والله لا يحب الفساد} [البقرة: 205] ، وقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] . ولهذا تفضل على عباده بتبيان مسالك الخير واليسر وزينه لهم وحضهم عليه وأرشدهم عن طريق رسله وكتبه إلى ما يوصل إليه وهو سبحانه وتعالى إلى جانب هذا عادل، ومن مقتضى العدل ثواب المحسن وعقاب المسيء، فلابد له أن يعاقب من يخالف الدستور ويقترف من الأمور ما لا يريده ويحبه لعباده، ولما كان العذاب ليس من صفاته الأزلية فقد كتب على نفسه الرحمة وجعلها فوق القانون وفتح للناس باب التوبة والرجوع إلى طريق الخير حيث قال: وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من