العصر العباسي الاول لم تمر بازمة مالية شديدة بحيث اضطر الخليفة الى بيع املاكه الخاصة، ولكن بعد التدهور الكبيرالذي حصل في العصر العباسي الثاني وما بعده ونتيجة للتدخلات الأجنبية في شؤون الحكم ومن ثم سيطرتها على مقدرات الدولة الاقتصادية اضطر الخلفاء الى بيع املاكهم الخاصة بل وحتى ملابسهم في بعض الاحيان، فقد باع المقتدر الاملاك العامة من الضياع والمستغلات التي كان قد اقطعها للناس [1] ، ونتيجة لاستمرار الأزمة المالية إلى عهد القاهر (320 ـ 322 هـ) فقد اضطر الى بيع العديد من الضياع الخاصة وبعض الاملاك الاخرى [2] ، كما باع وزيره ابن مقلة احد مقرات الوزارة [3] وبعض الاملاك والضياع السلطانية لايفاء مستحقات التجار من الديون [4] ، وقد بقيت اموال الضياع السلطانية والاموال الخاصة تساهم في سد العجز المالي في خزينة الدولة الى ان سيطر البويهيون على مقاليد الامور في الخلافة العباسية سنة 334 هـ فتدهورت الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل عام، واستولوا على جميع بيوت المال والخراج والضياع السلطانية حتى أنهم نهبوا ما في دار الخلافة، وخصصوا راتبا يوميا للخليفة وسحبوا صلاحياته في التصرف في الامور المالية [5] وبذلك حرمت الدولة العباسية من وارد مهم من وارداتها.
كان الاقتراض من الاساليب التي اتبعتها السلطة العباسية في معالجة الازمات المالية التي واجهت الدولة، وفي الحقيقة ان ظاهرة الاقتراض لم تظهر في العقود الاولى من عمر الدولة الاسلامية لان الواردات كانت كثيرة تغلب على النفقات بسبب كثرة الفتوحات وحسن سياسة الخلفاء وقوة الحكومة المركزية، ولكن بعد بضع عقود من العصر العباسي توقفت الفتوحات وانفصلت بعض اقاليم الدولة وخرجت السلطة الفعلية من ايدي الخلفاء كل
(1) خولة الدجيلي، بيت المال، ص 133.
(2) مسكويه، تجارب الامم، ج 1، ص 245.
(3) محمد بن عبد الملك الهمذاني، تكملة تاريخ الطبري، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، دار المعارف ... (القاهرة: 1967) ملحق بكتاب تاريخ الطبري، ج 11، ص 278.
(4) مسكويه، تجارب الامم، ج 1، ص 329.
(5) مسكويه، تجارب الامم، ج 2، ص 87؛ عبد العزيز الدوري، تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت: 1999) ، ص 250.