فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ ... وذكر الحديث، وقال في آخره: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ ... فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ... ذَاكَ شَيْطَانٌ» (91) .
3 -عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] ، وَفَاتِحَةِ آلِ عِمْرَانَ {الم*اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 1 - 2] » (92) .
المطلب الثاني: مذاهب أهل العدد في أعداد آي سورة البقرة وسورة آل عمران
1 -قوله تعالى: {الحي القيوم} في سورة البقرة [البقرة: 255] عدها المدني الأخير والمكي والبصري، ولم يعدها الباقون (93) .
2 -قوله تعالى: {الم*اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ... } [آل عمران: 1 - 2] عدَّ الكوفيُّ {الم} ، ولم يعدها الباقون (94) .
المطلب الثالث: مناقشة حول الأحاديث المذكورة
1 -إن قيل: إن أحاديث آية الكرسي صريحة أو كالصريحة في أنها تبدأ بـ {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وتنتهي بـ {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} وهذا يحتم اعتبارها آية واحدة، وإهمال المذاهب التي تعدها آيتين. فالجواب ما قد سبق في المبحث الثاني من الرد على ابن شنبوذ.
2 -قول أبي عمرو الداني:"ومن عد {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} في آية الكرسي فلانعقاد الإجماع على عد نظيره في أول آل عمران، ومن لم يعده فلورود التوقيف على النبي بتسمية الآية بما جرى فيها من ذكر الكرسي، فدل على اتصال الكلام؛ فإن انقضاء الآية وتمامها عند قوله {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} " (95) قد أجاب هو نفسه عن ذلك بقوله:" {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} عدها المدني الأخير والمكي والبصري، ولم يعدها الباقون. وأجمعوا على عدها في آل عمران (96) ، وعلى إسقاطها في طه (97) " (98) ، فليس أحد الإجماعين بأولى من الآخر، فثبت أن الأمر مرجعُه التوقيفُ والتلقي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
المطلب الرابع: الدلالات المستنبطة من هذا المبحث
1 -أحاديث آية الكرسي تتوافق مع العد المدني الأول، والشامي، والكوفي. وحديث"اسم الله الأعظم ..."يتوافق مع جميع مذاهب العد ما عدا الكوفي. وهذا يدل على أن المذهب الواحد من مذاهب أهل العدد يتفق مع بعض الأحاديث دون بعض.
2 -علم عَدّ الآيِ لا يعلم بالقياس والاجتهاد.
3 -اعتضاد أحد مذاهب العد ببعض التوجيهات؛ كموافقة الفاصلة وما أشبه ذلك لا يجعل ذلك العد أصح من غيره، وليس مسوغًا لتضعيف غيره؛ فكلٌّ ثابت بالتلقي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
المبحث الثامن
الأحاديث التي فيها ذكر عدد معين من الآيات والعدد المذكور فيها غير موافق لأيّ مذهب من مذاهب أهل العدد
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: نصوص الأحاديث الشريفة الواردة في ذلك
1 -عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْيَ خَالَتُهُ، قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ... (99) . وفي رواية أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَيْقَظَ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُولُ {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ} فَقَرَأَ هَؤُلاءِ الآيَاتِ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ [آل عمران: 190 - 200] (100) .
2 -عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَاقْرَأْ مَا فَوْقَ الثَّلاثِينَ وَمِائَةٍ فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} إِلَى قَوْلِهِ {قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 140] (101) .
3 -عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: ... وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحُمُرِ، فَقَالَ: «مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلا هَذِهِ الآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} » (102) .
المطلب الثاني: مذاهب أهل العدد في أعداد آي السور المذكورة
1 -سورة آل عمران مائتا آية في جميع العدد. اختلف فيها في سبع آيات: {الم} [1] عدها الكوفي ولم يعدها الباقون. {الإِنْجِيلَ} [3] ، لم يعدها الشامي وعدها الباقون. {وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} [4] لم يعدها الكوفي وعدها الباقون. {وَالإِنْجِيلَ} [48] عدها الكوفي ولم يعدها الباقون. وَرَسُولًا إِلَى بَنِي