عَشِيًّا فَوَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ رَجُلا، فَرَأَى بِعَيْنِهِ وَسَمِعَ بِأُذُنِهِ، فَلَمْ يَهِجْهُ حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي جِئْتُ أَهْلِي عِشَاءً فَوَجَدْتُ عِنْدَهُمْ رَجُلًا، فَرَأَيْتُ بِعَيْنَيَّ، وَسَمِعْتُ بِأُذُنَيَّ. فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَاءَ بِهِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} [النور: 6] الآيَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا، فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... (38) . وفي رواية: ... فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ {إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ} [النور: 6 - 9] (39) . وفي رواية ابن عمر رضي الله عنهما: ... فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلاءِ الآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} فَتَلاهُنَّ عَلَيْهِ ... (40) . وفي رواية أنس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ... فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَةُ اللِّعَانِ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} إِلَى آخِرِ الآيَةِ ... (41) .
2 -عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَهَا حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ، فَبَدَأَ بي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلا عَلَيْكِ أَنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ» ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ} إِلَى تَمَامِ الآيَتَيْنِ [الأحزاب: 28 - 29] ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ (42) . وفي روايات أخرى ذكر نص الآيتين كاملتين (43) . وفي رواية: ... فَقَرَأَ عَلَيَّ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} الآيَاتِ (44) . وفي رواية: ... ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ} حَتَّى بَلَغَ {لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28 - 29] (45) .
3 -عَنْ أَنَس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ} إِلَى قَوْلِهِ {فَوْزًا عَظِيمًا} [الفتح: 1 - 2] مَرْجِعَهُ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ وَهُمْ يُخَالِطُهُمْ الْحُزْنُ وَالْكَآبَةُ وَقَدْ نَحَرَ الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَقَالَ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا جَمِيعًا» (46) . وفي بعض الروايات: ... قال: لقد أنزلت عليّ آيتان هما أحب إلى من الدنيا جميعا (47) . وفي بعض الروايات: ... لقد أنزلت عليَّ آيات هي أحب إلى من الدنيا (48) .
الفرع الثاني: مذاهب أهل العدد في أعداد آي السورة المذكورة
الآيات التي اشتمل عليها هذا الفرع كلها محل اتفاق بين أهل العدد فيه إفرادًا وتثنية وجمعًا، ولم يقع بينهم اختلاف في عدها (49) .
الفرع الثالث: مناقشة حول هذه الأحاديث
1 -قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} إلى {إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ} [النور: 6 - 9] هو أربع آيات، وهذا موافق لما جاء في رواية ابن عمر رضي الله عنهما: ... فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلاءِ الآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} فَتَلاهُنَّ عَلَيْهِ .... وأما لفظ رواية أبي داود «الآيَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا» فلا يتطابق مع ذلك. والتوفيق بينهما أن المراد بالآية هنا هو"الموضوع"؛ فالآية الكريمة تشتمل على أمرين: أيمان الزوج المُلاعِن، وأيمان الزوجة المُلاعَنة، فعبَّر عن كل موضوع بأنه آية. أو يقال بأن لفظ «الآيَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا» هو تصرف من الرواة.
وأما رواية أنس رضي الله عنه: ... فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَةُ اللِّعَانِ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور: 6] إِلَى آخِرِ الآيَةِ ... ، فالجواب عنها وما ماثلها أن المراد بالآية هنا الجنس وليس العدد؛ فإنه قد يراد بالمفرد الجنس (50) ؛ كما في قوله تعالى: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 16] ، وقوله تعالى: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] . ولا يبعد أيضًا أن يكون تصرفًا من الرواة.
2 -قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الفتح:1 - 2] هو آيتان عند جميع أهل العدد. ويلاحظ أن روايات الحديث جاءت: بألفاظ «آية، آيتان، آيات» فأما رواية"آيتان"فموافقة لما في علم العدد. وأما رواية آية -وأغلب الروايات جاءت بها، وهي رواية الصحيحين وغيرهما- فهي على إرادة الجنس كما سبق. وأما رواية"آيات"فقد تفرد بها البيهقي، وهي إن سلمت من الشذوذ تُحمل على أن الذي نزل هو الآيات الثلاث أو الأربع الأُوَل من سورة الفتح؛ كما هو واضح في روايته.
3 -قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ} إلى قوله {لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} هما آيتان باتفاق أهل العدد. وعليه فالروايات التي جاءت بلفظ"الآيتين"مطابقة لما عند أهل العدد. وأما رواية"الآية"فتحمل على إرادة الجنس. وأما رواية"الآيات"فانفرد بها ابن ماجه، وهذه اللفظة شاذة، وهي مخالفة لما في الصحيحين وغيرهما، ومخالفة أيضًا لما في علم عَدّ الآيِ.
وفيه ثلاثة فروع:
الفرع الأول: نصوص الأحاديث والآثار الواردة في ذلك
1 -عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ