البنوك (رغم ان الايداع والقرض لهما طبيعة واحدة مع عكس اطراف المعاملة) ، والفتوى الجديدة بحل فوائد الايداع كانت بمثابة الزلزال الذى هز ارجاء الحياة الاقتصادية والمصرفية بما اثاره من جدل محتدم خصوصا وان هناك فتاوى عديدة (كما اشرنا) لمجامع فقهية اسلامية اكدت بما لايدع مجالا للشك بان فوائد البنوك ربا، ولسنا هنا بمعرض تفصيل مساحة هذا الجدل مع تنوع تفاصيله بشكل شديد التناقض خصوصا وان اطراف هذا النقاش الساخن من الفقهاء واساتذة القانون والاقتصاد بما سبب حيرة شديدة لعموم المسلمين في هذا الامر الحيوى والضرورى، بما يوجب سرعة عقد مجمع موسع يحسم الخلاف ويبصر المسلمين بالراى الاخير والحاسم، والاتى محاولة موجزة لاستجلاء بعض ملامح دائرة هذا الجدل الواسع النطاق:
بداية وفى تجربة خاصة قمت بالبحث عن طريق الحاسب الالى لكلمات"الربا"و"الفائدة"فى موسوعة الفتاوى الاسلامية والصادرة عن دار الافتاء المصرية لمدة مائة عام، فلم اجد فتوى واحدة تشير الى ان الايداع او الاقتراض من البنك يعد امرا حلالا، والتالى امثلة يسيرة من المبادئ والتى يتم ادراجها في مطالع هذه الفتاوى ردا عن اسئلة السائلين في اعوام عديدة:
• الربا بقسميه ربا النسيئة وربا الزيادة محرم شرعا بنص القران الكريم والسنة المطهرة وباجماع المسلمين
• ... وكل قرض بفائدة محدده مقدما حرام.
• الاقتراض بالفائدة لتشييد بناء لاستغلاله بالتأجير او التمليك للغير كسب مشوب بالربا والذى يحرم على المسلم التعامل به.
• تحديد الفوائد على الاموال المودعة بالبنوك مقدما من قبيل القرض ولا فرق في حرمة التعامل بالربا بين الافراد والجماعات او بين الافراد والدولة.
• الاقراض بفائدة هو محرم شرعا، وعدم تحديدها مقدما هو من قبيل المضاربة في المال وهى جائزة شرعا.
• الفائدة المحددة والتى تصرفها البنوك نظير ايداع الاموال بها هى من قبيل الربا الزيادة المحرم شرعا ولا فرق في حرمة التعامل بالربا بين الافراد والجماعات او بين الافراد والدولة.
ولم يقتصر الامر على دار الافتاء المصرية وفقط بل ايضا فتاوى اخرى من جهات عدة بل وايضا المجمع الاسلامى نفسه (صاحب الفتوى الحديثة) فى منتصف السينيات.
ويرى د. على جمعه مفتى مصر ان الربا من الامور المتفق على حرمتها شرعا، ولكن اختلف العلماء منذ ظهور البنوك في العصر الحديث حول التعامل بفائدة معها وذلك حسب تكييف المعامله بين البنك وعملائه حسب وجهات نظر متعددة فاهل القانون كيفوا العلاقة على اساس انها عقد قرض جر نفعا فكان الحكم على انها من الربا المحرم شرعا، واذا تم تكييف العلاقة انها من قبيل الاستثمار في عرف الاقتصاديين كان الحكم على انها من قبيل المضاربة الفاسدة، وطائفة ثالثة رأت انها من ضمن المعاملات المستحدثة وان العلاقة بين العملاء والبنك من قبيل العقود الجديده الغير مسماه في الفقه الاسلامى فالحكم فيها الحل، ثم يقرر بعد القاعدة المقررة شرعا وهى انه ينكر ترك المتفق على فعله او فعل المتفق على حرمته ولا ينكر المختلف فيه وان الخروج من الخلاف مستحب.
وفى كتب الفقه الاسلامى والتى تشرح الفروق بين عقد القرض والذى ينقل الملكية للمقترض وله ان يستهلك العين ويتعهد برد المثل لا العين والمقترض هنا ضامن للقرض اذا تلف او هلك او ضاع يستوى في ذلك تفريطه من عدمه، وعقد الوديعة حيث لا ينقل الوديعة الى المستودع لديه وليس له الانتفاع بهذه الوديعة ويتعهد برد العين للمودع، فهى في النهاية امانة في عنق المستودع لديه الوديعة، ووجهة نظر كثير من الفقهاء تتفق من وحهة النظر القانونية بالنظر الى عقد البنك مع عملية بكونه عقد قرض حتى لو اشار اليه البعض بالودائع لدى البنوك، كما ان الفرق واضح بين القرض والمضاربة من حيث ان القرض ليس من باب الشركة فمن اخذ قرض يستثمره لنفسه فقط ويضمن رد المثل بالاضافة الى فائدة بعكس المضاربة والتى هى شركة فيها الغنم والغرم للاثنين معا.
ويرى اخرون ان المشكلة تكمن في المصطلحات البنكية وضرورة تحديدها بدقة ولنه يجب عقد المؤتمرات العلمية الموسعة لبحث القضية من منظور فقهى واقتصادى وقانونى.
وفتوى مجمع البحوث الاسلامية بحل فوائد الايداع ترتب عليه ان ذكر البعض ان البنوك التقليدية والتى فتحت فروعا اسلامية تعانى من الاذدواجية في الشخصية او النفاق في التعامل حيث لا فارق بين البنك التقليدى والبنك الاسلامى ويجب الغاء تلك المسميات الشكلية (فى رأيهم) فورا، حيث يخضع الاثنان لرقابة البنك المركزى ويخضعا لنفس القوانين وبالتالى فلا داعى لتخصيص فصل خاص في القانون ليتناول البنوك الاسلامية لدرجة انه قيل ان البنك الاسلامى (وطبقا للفتوى الجديدة) بدعة لا اساس لها من الصحة ونسى القائل ان هناك اختلاف فقهى موجود اصلا ولا يصح له التحيز بهذا الشكل طالما لم تحسم القضية بعد.
وقد انتقد كثيرون فتوى مجمع البحوث الاسلامية اصلا لبناء الفتوى على رأى خالف اجماع الامة، كما انتقد اخرون عدم تمثيل الفقهاء في هذه الفتوى ويرون ان المجموعة المكونة لاداء هذه الفتوى من القانونيين والاقتصاديين وبعض المتخصصين في الدعوة، كما تحفظ اثنان من اعضاء المجمع نفسه على هذه الفتوى، ود. عبد العظيم المطعنى صرح برأيه بشكل واضح قائلا:"اذا جاءت الفتوى بما هو محسوم سلفا وباجماع علماء المسلمين فاننا نضرب بها عرض"