أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (19)
قال سيد قطب رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية: (لقد سار الموكب. موكب سليمان من الجن والإنس والطير. في ترتيب ونظام، يجمع آخره على أوله، وتضم صفوفه، وتتلاءم خطاه. حتى إذا أتوا على واد كثير النمل، قالت نملة: لها صفة الإشراف والتنظيم على النمل السارح في الوادي ـــ ومملكة النمل كمملكة النحل دقيقة التنظيم، تتنوع فيها الوظائف، وتؤدى كلها بنظام عجيب، يعجز البشر غالبا عن اتباع مثله، على ما أوتوا من عقل راق وإدراك عال ـــ قالت هذه النملة للنمل، بالوسيلة التي تتفاهم بها أمة النمل، وباللغة المتعارفة بينها. قالت للنمل: ادخلوا مساكنكم، كي لا يحطمنكم سليمان وجنوده. وهم لا يشعرون بكم، فأدرك سليمان ما قالت النملة وهش له وانشرح صدره بإدراك ما قالت، وبمضمون ما قالت. هش لما قالت كما يهش الكبير للصغير الذي يحاول النجاة من أذاه وهو لا يضمر أذاه. وانشرح صدره لإدراكه. فهي نعمة الله عليه تصله بهذه العوالم المحجوبة المعزولة عن الناس لاستغلاق التفاهم بينها وقيام الحواجز. وانشرح صدره له لأنه عجيبة من العجائب أن يكون للنملة هذا الإدراك، وأن يفهم عنها النمل فيطيع! أدرك سليمان هذا «فتبسم ضاحكا من قولها» .. وسرعان ما هزته هذه المشاهدة، وردت قلبه إلى ربه الذي أنعم عليه بنعمة المعرفة الخارقة وفتح بينه وبين تلك العوالم المحجوبة المعزولة من خلقه واتجه إلى ربه في إنابة يتوسل إليه: «رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ... الآية» . «وأوزعني» اجمعني كلي. اجمع جوارحي ومشاعري
ولساني وجناني وخواطري وخلجاتي، وكلماتي وعباراتي، وأعمالي وتوجهاتي. اجمعني كلي. اجمع طاقاتي كلها. أولها على آخرها وآخرها على أولها (وهو المدلول اللغوي لكلمة أوزعني) لتكون كلها في شكر نعمتك عليّ وعلى والديّ) [1]
وجه السياسة الشرعية من الآيتين:
(1) في ظلال القرآن، سيد قطب:5/ 2636 ـــ 2637(
أنظر: موقع منتدى منتديات عالم الرومانسية على شبكة الانترنت بتصرف 8)