بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير الفروق الدلالية بين الضلال والنسيان في التعبير القرءاني
دكتور: ماهر بن رمضان عبد الجواد صالح- دكتوراه في المنهج الإسلامي لتعليم اللسان العربي المبين للعجم
إهداء لروح أمي الكريمة رحمها الله، وهو أرحم الراحمين
مقدمة: لقد أحسن أبو هلال العسكري (395 ه) في التنبيه على أهمية اعتبار الفروق اللغوية بين"معان تقاربت حتى أشكل الفرق بينها"،"وواضع اللغة حكيم لا يأتي فِيها بما لا يفِيد ... فهذا يدل على أَن كل اسمين يجريان على معنى من المعاني وعين من الأعيان فِي لغة واحدة فإن كل واحد منهما يقتضي خلاف ما يقتضيه الآخر، وإلا كان الثاني فضلا لا يحتاج إليه؛ وإلى هذا ذهب المحققون من العلماء". وقد أحسن الزركشي (794) في برهانه في علوم القرءان، تسليما منه لهذه الحقيقة ولشدة الحاجة الملزمة للمفسر؛ إذ يقول:"قاعدة في ألفاظ يظن بها الترادف وليست منه؛ ولهذا وزعت بحسب المقامات فلا يقوم مرادفها فيما استعمل فيه مقام الآخر فعلى المفسر مراعاة الاستعمالات والقطع بعدم الترادف ما أمكن فإن للتركيب معنى غير معنى الإفراد ولهذا منع كثير من الأصوليين وقوع أحد المترادفين موقع الآخر في التركيب وإن اتفقوا على جوازه في الإفراد". وقد اتبعه في ذلك السيوطي (911) في الإتقان؛ فكان من ذلك أمثلة نالوا بها السبق، ويسرت لمن بعدهم الطريق، لكن لم يتعرض أحدهم، ولا غيرهم - فيما أعلم- لدراسة في الفروق الدلالية بين الضلال والنسيان؛ مع أنهما مادتان لغويتان قد وردتا في لسان القراءن ورودا ينبه ويلزم بالبحث في العلاقة والفروق الدلالية بينهما. ويهدف البحث إلى بيان: أنه مما يجب على المفسر الحديث متابعة هذه السنة الحسنة، لإبراز دلالات لغوية لا سبيل إلى معرفتها إلا بإتقان ملكة التمييز الدقيق بين المفردات القرءانية المترادفة، خاصة إذا وردت في سياق واحد قد جمع مفردة بأختها. ولقد جاء هذا البحث في إطار المحور الثالث من محاور هذا المؤتمر الكريم، بعنوان: التجديد في علوم القرءان والتفسير وأثرهما عند القدامى والمحدثين. حيث تعد جهود القدامى الذين ذكرت بعضهم خير شاهد على حرصهم على التجديد؛ فقد ظهر لنا أثر النفع الذي نجده في تناولهم لتفسير ظاهرة الترادف اللغوي بين مفردات القرءان، وإنتاج واستنباط دلالات فارقة هامة ونافعة للكشف عن مكنونات التعبير القرءاني، بما يستوجب اتخاذ سبيلهم حجة في التوافر على خدمة علم التفسير؛ لاستجلاء المزيد من خصائص التعبير القرءاني -خاصة أن علم الفروق اللغوية قل من يعتد به في عصرنا الحديث؛ منصرفين عن وصية القدامى عندما جعلوها قاعدة ثبت صحتها وشدة الحاجة إلى معرفتها؛ حتى قال الزركشي ثم السيوطي:"قاعدة في الألفاظ التي يظن بها الترادف وليست منه". وجاءت خطة البحث في فصل أول