أعقبهم الله على نيتهم السيئة بنزع النعمة منها؛ حتى حسبوا أنهم ضلوا عن جنتهم ذات الحرث الثامر، والخير الغامر، فبعد أن قالوا: إنا لضالون، تداركوا الواقع المر:"بل نحن محرومون" [القلم 27] ، وهذا يشهد بأنه ضلال في الدنيا، يمكن استدراكه قبل أن يشتد قيصير ضلالا أكبر وأشد؛ أي يصير نسيانا!.
يستطيع البحث -من هذه الدراسة- أن يستنتج عدة نتائج علمية، أهمها:
1 -الضلال يسبق العلم بالشيء، والمعرفة به، وضده الهدى الذي يسلك الضال طريقه بالاهتداء واتباع الحق، أما النسيان، فهو ضياع العلم بعد علمه، وزوال المعرفة بعد معرفتها، ومحو الحق بعد تحقبقه، وزيغ الناسي بعدالهدى، وضد النسيان الذكر، الذي يسلك الناسي طريقه بالتذكر؛ وبهذا يتجلى أن بين الضلال والنسيان فروقا دلالية، تتلخص في أن الضلال قبل الدخول في نور الحق، وأن النسيان خروج من الحق، وفسوق، وإن الضلال والنسيان كليهما يريد الشيطان أن يتسلط بهما على ابن ءادم؛ فيضله عن الاهتداء إلى الحق، وإن غلبه الشيطان بقي ابن ءادم ضالا متبعا هواه لايهتدي، أما إذا نصره الله على شيطانه واتبع الهدى وعَلِم الحق، فإن الشيطان -لعنه الله- يسعى لرده عنه، ويضله عن الثبات على الحق، ويخرجه من النور إلى الطلمات، فيكون كمثل من قال:"لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا" [الفرقان 29] ، ومن أجل ذلك قال الله تعالى:"وإما يُنسينك الشيطان فلا تقعدْ بعد الذكرى مع القوم الظالمين" [الأنعام 68] . ومجازا - يمكن أن يسمى الضلال نسيانا على اعتبار أنه سبب فيه لأنه من عمل الشيطان من نوع"أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني"، ولعل هذا هو ما يفسر لنا التضمين بالمجاز في تسمية النسيان ضلالا في قوله تعالى:"أَنْ تَضِلَّ إحداهما فتذَكّرَ إحداهما الأُخْرَى"، ولعل هذا التداخل بسبب التضمين هو الذي يجعل بعض الباحثين لا يرى بين الضلال والنسيان فرقا دلاليا!
2 -الضلال منه الأدنى؛ القريب؛ القليل؛ الصغير؛ الخفي، ومنه الأقصى؛ البعيد؛ الكثير؛ الكبير؛ المبين.
ولعل الضلال قبل العلم بالحق، وقبل الاهتداء إليه أخف وطأة؛ لأنه يعتبر ضلال بجهالة يتيسر التخلص منه، ويمكن تسميته: (ضلال جهل) ، فيكون أهون من ذلك الضلال بعد العلم بالحق، والذي يمكن تسميته: (ضلال علم) . وبهذا يمكن لي أن يتفسر قوله تعالى:"وأضله الله على علم"أي بعد علمه بالحق والباطل، والخير والشر. ومن المجاز أيضا اعتبار ذلك النوع الذي هو (ضلال علم) ، هو الضلال البعيد الكثير وأنه هو الضلال المبين. وهذا هو ما تسميته (ضلال نسيان العلم) ، و (ضلال نسيان الحق) ، حتى يصل إلى اختصاره في