إذا مسهم طائِف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون" [الأعراف 201 - 202] ."
ومن هذه الظواهر الدلالية في التعبير القرءاني، بهذا الشأن- إدراك أن النسيان عمل يسعى إليه الشيطان- لعنه الله- عند علو الأجر على عمل صالح من أعظم الأعمال الطيبة، التي هي من عزائِم الخير، ففي موضعين يدعو الله عباده إلى الصبر على عداوة الناس، وفي كل موضع إشارة إلى بيان صرخة الشيطان من أن ينجح أحد من متبعي نهج حسن الخلق؛ فينقلب عليه الشيطان بالنزغ لإفساد هذا النجاح، ولننظر في هذين الموضعين حيث يقول الله تعالى:"خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم" [الأعراف 199 - 200] وحيث يقول:"ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم" [فصلت 34 - 36] . يجب اليقين بهذه الحقيقة.
ومن هذه الظواهر الدلالية في التعبير القرءاني، بهذا الشأن- إدراك تقديم وتأخير الضلال في موضعين اثنين وسر ذلك الترتيب؛ فقد دعا الله تعالى الناس وهم في الدنيا بقوله:"قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالؤون منه البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم هذا نزلهم يوم الدين نحن خلقناكم فلولا تصدقون" [الواقعة 49 - 57] . فقدم ذكر الضلال على التكذيب لبيان خطره في بدايته قبل أن يستفحل ويصير ضلالا أكبر وأشد، لكن لما لم يتعظوا ولم يهتدوا حتىجاءتهم فجيعة الموت"فلولا إذا بلغت الحلقوم" [الواقعة 83] ، فقد فاتهم أوان الدنيا، وصاروا بإصرارهم على الاستهانة بخطر الضلال- فقد بين لهم أن هذا الضلال الذي كانوا به يستهزءون، قد اشتد خطره؛ حتى صار ضلال نسيان، ومن ثم تأخرت رتبته؛ فقال:"وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم".. [الواقعة 92 - 94] . ولعل هذا مما يوضح هذه الحقيقة في العلاقة الدلالية بين الضلال والنسيان.
ومن هذه الظواهر الدلالية في التعبير القرءاني، بهذا الشأن- بيان أن قوله تعالى:"فلما رأوها قالوا إنا لضالون" [القلم 26] ، يدل على هذا النوع من الضلال في الدنيا الذي يمكن أن يعتبر مقدمة للنوع الأخطر، الذي هو ضلال النسيان؛ فهذا الموضع حديث عن (أصحاب الجنة) الذين تباخلوا على المساكين، وساق الله قصتهم للاعتبار بعاقبة إجرامهمن حيث