قرءانًا. بدليل قوله تعالى: (ولَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالذِي أَوْحَيْنَا إليْكَ) ، أي: لم نفعل شيئًا من ذلك. وأجاب الفارسي بأن معناه لم نذهب بالجميع [1] ". انتهى."
وأقول: الاستثناء في ءاية الأعلى من باب تذكيره بنعمة الله عليه ليتعلق قلبه بربه ليرجوه ألا يُنسيه منه من شيء، والكلام لا يدل على حدوث فعل النسيان البتة، وإن هذا المعنى ليخرج من مخرج قوله تعالى عند بيان تمام قدرة الله في أمر الجنة والنار حتى فيمن قد حكم في شأنهم بقوله تعالى:"خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك" [هود 107 - 108] ، لتتم فيهم معنى العبودية المطلقة لله ربهم، بأن"له الخلق والأمر" [الأعراف 54] ،"بيده الملك" [الملك 1] ،"وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه" [هود 123] ،"فاعبده واصطبر لعبادته" [مريم 65] ؛ فهذان الاستثناءان فيما أرى- يخرجان من مشكاة واحدة، وأن الكلام هنا لا يدل على النسيان كما رأى الطبري. ومن هنا فإن هذا الموضع بعد نفي دلالة النسيان عن هذا الموضع- فإنني أدعو إلى تصويب هذا الموضع وعده في غير مادة (نسي) .
وقد انتهجت لتحقيق هذا الهدف أن أصطفي أهم موضع ورد في القرءان؛ حيث قد جمع بين المادتين معا في سياق واحد، وهذا يمثل-عندي- أنسب مقام لبيان الفرق بينهما. والغرض من استعراض أقوال بعض العلماء هو التركيز على أمرين: الأول، بيان موقفهم من الموقع الإعرابي لقوله تعالى:"لا يَضِلُّ رَبّي ولا يَنْسَى"، لإدراك مقتضاه في هذا المقام الذي سيق له. والغرض الآخر، هو بيان موقفهم من الفروق الدلالية بين مادتي: (الضلال) و (النسيان) :
قال ابن عادل (775) في تفسيره:"قوله: (لاَّ يَضِلُّ رَبِّي) في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنَّها في محل جر صفة لكِتَاب، والعائد محذوف تقديره: فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّه رَبِّي، أو لا يضل حفظَه رَبِّي، فرَبِّي، فاعل (يَضِلُّ) على هذا التقدير. وقيل: تقديره: لا يَضِلُّ الكتابُ رَبِّي، فيكون في"يَضِلُّ"ضمير يعود على الكتاب، ورَبِّي منصوب على التعظيم، وكان الأصل عن ربي، فحذف الحرف اتساعًا ... والثاني: أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب، ساقها الله -تعالى- لمجرد الإخبار بذلك حكاية عن موسى. وقرأ الحسن وقتادة والجحدري وعيسى الثقفي وابن محيصن وحماد بن سلمة"لا يُضِلُّ"بضم الياء، أي لا يُضِلُّ رَبِّي الكِتَابَ، أي: لا يضيعُه، يقال: أضْلَلْتُ الشيء أي أضعته و (رَبّي) فاعل على هذا التقدير. وقيل: تقديره: لا يُضِلُّ أحدٌ رَبِّي عن علمه، أي من علم الكتاب، فيكون الربُّ منصوبًا على التعظيم ... (ولاَ"
(1) - أبو علي الفارسي (377) (الحجة للقراء السبعة)