فهرس الكتاب
«فَإِنْ قِيلَ» : فَمَا وَجْهُ جَمْعِ عُثْمَانَ النَّاسَ عَلَى مُصْحَفِهِ، وَقَدْ سَبَقَهُ أَبُو بَكْرٍ إِلَى ذَلِكَ وَفَرَغَ مِنْهُ؟
قِيلَ لَهُ: إِنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَقْصِدْ بِمَا صَنَعَ جَمْعَ النَّاسِ عَلَى تَأْلِيفِ الْمُصْحَفِ، أَلَّا تَرَى كَيْفَ أَرْسَلَ إِلَى حَفْصَةَ: أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، عَلَى مَا يَأْتِي.
وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ لِأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَاتِ بِسَبَبِ تَفَرُّقِ الصَّحَابَةِ فِي الْبُلْدَانِ وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَعَظُمَ اخْتِلَافُهُمْ وَتَشَبُّثُهُمْ، وَوَقَعَ بَيْنَ أَهْلِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ مَا ذَكَرَهُ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا فِي غَزْوَةِ أَرْمِينِيَّةِ فَقَرَأَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ بِمَا رُوِيَ لَهَا، فَاخْتَلَفُوا وَتَنَازَعُوا وَأَظْهَرَ بَعْضُهُمْ إِكْفَارَ بَعْضٍ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُ وَتَلَاعَنُوا، فَأَشْفَقَ حُذَيْفَةُ مِمَّا رَأَى مِنْهُمْ، فَلَمَّا قَدِمَ حُذَيْفَةُ الْمَدِينَةَ فِيمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ دَخَلَ إِلَى عُثْمَانَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى بَيْتِهِ، فَقَالَ: أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ تَهْلِكَ! قَالَ: فيما ذا؟ قال: في كتاب الله، إني حضرت
هَذِهِ الْغَزْوَةَ، وَجَمَعْتُ نَاسًا مِنَ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَالْحِجَازِ، فَوَصَفَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ: إِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي كِتَابِهِمْ كَمَا اخْتَلَفَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى.
قُلْتُ: وَهَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ على بطلان من قال: أن الْمُرَادَ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ قِرَاءَاتُ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ، لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ، وَقَدْ رَوَى سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي الْمَصَاحِفِ؟ فان الناس قد اختلفوا في القراء حتى ان الرجل ليقول: قرءاتي خير من قراءتك، وقراءتي أفضل من قراءتي.