فهرس الكتاب
ورأيت أن المقاتلة لا يتم لهم المقام والأكل والشرب وتثمير الأموال والأولاد إلا بأهل
الخراج والعمارة، فأخذت للمقاتلة من أهل الخراج ما يقوم بأودهم، وتركت على
أهل الخراج من مستغلاتهم ما يقوم بمؤنتهم وعمارتهم، ولم أجحف بواحد من
الجانبين.
وحاصله أنه يجب على كل فرد من أفراد الملة المدافعة عن نفسه وماله، فمن
كان يقوم بهذا العبء بنفسه فليس عليه شيء، وهؤلاء أهل الجند والمقاتلة، وأما
من كان يشغله أمر العمارة وتدبير الحرث على المخاطرة بالنفس فيحق عليه أن
يؤدي شيئًا معلومًا في كل سنة، يصرف في وجوه حمايته والدفاع عنه. وهذا هو
المعني بالجزية؛ فإنها تؤخذ من أهل العمارة وتعطى للمقاتلة والجند الذين نصبوا
أنفسهم لحماية البلاد واستتباب وسائل الأمن والسلامة لكافة العباد.
الثالث: أن الشريعة الإسلامية وإن لم تكن شأنها شأن الملكية والسلطنة، بل
الغاية التي توخاها الشرع ليست إلا تكميل النفس وتطهير الأخلاق والحث على
الخير والردع عن الإثم، ولكن لما كانت هذه الأمور يتوقف حصولها على نوع من
السياسة الملكية، لم تكن الشريعة لتغفل عنها كليًّا فاختارت جملة من الوضائع تكون
مع سذاجتها كافلة لانتظام أمر الناس وإصلاح ارتفاقاتهم.
ومن ذلك: الجهاد والقتال المقصود بهما الذب عن حِمى الإسلام والدفع عن
بيضة المُلك وإزاحة الشر وبسط الأمن واستتباب الراحة، فجعل الجهاد فرضًا
محتومًا على كل أحد ممن دخل في الإسلام، إما كفاية، وهذه إذا لم يكن النفير عامًّا
وعينًا إذا هاجم العدو البلد وعم النفير.
قال في الهداية: الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به فريق من الناس سقط عن
الباقين، فإن لم يقم به أحد أثم جميع الناس بتركه، إلا أن يكون النفير عامًّا فحينئذ
يصير من فروض الأعيان.
فالمسلم لا يخلو من إحدى الخطتين: إما مرتزق، وهو من دخل في العسكر
ونصب نفسه للقتال. أو متطوع، وهو مَن لم يأخذ نصيبه من الجهاد، ولكن إذا
جاءت الطامة ووقع النفير لا يمكنه الاعتزال عن القتال والتنحي عنه، بل عليه أن
يدخل فيما دخل المسلمون طوعًا أو كرهًا، وإذا كان من المسلَّم الثابت أن المرتزق