فهرس الكتاب
ومن هذا أنَّه قبل أن يقلب الله تعالى عصا موسى حيَّةً قال له:"وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى" [طه: 17] ، وقبل بيان إبراهيم لقومه الشرك سألهم:"مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ" [الأنبياء: 52] .
ومن هذا ما قدَّره تعالى بميلاد يحيى من أبٍ كبير وأمٍّ عاقر عجوز، إرهاصًا ومقدمة وتلطفًا بين يدي ميلاد المسيح عليه السلام بدون أبٍ، وقبلهما ما كان يجد زكريا عندها من الرِّزق المخالِف لقانون الأسباب والمسبِّبات المعتادة.
إنَّها قاعدة في الدعوة، وفي التربية، وفي السياسة، وفي الإعلام، وفي النظام الاجتماعي والعلاقات الاجتماعيَّة، بل هي قاعدة الحياة وطبيعتها وتدرُّجها.
وهذا لا ينفي ولا يتعارض مع بيان الحقِّ كاملاً بلا غبش أو ميوعة أو تفريطٍ أو قوة، فهو التلطُّف في إظهار الحقِّ لا في إخفائه، تلطف في المحاجَّة عن الحق، وعَرْضه كما أنزله الله تعالى بلا تنازل وبلا تراجع.
فافهم أخي ذلك، واركُزْه في وَعْيِك وتصرَّفْ بمقتضاه، فردًا وجماعات، والله الموفِّق. انتهى انتهى {التلطف والتدرج: رفع للدرجات ودلالة على العلم وأدعى لقبول النفوس، للأستاذ/ مدحت القصراوي} ...