فهرس الكتاب
{الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} [الحج: 25] أي: جعلناه لهم بالاهتداء وطلب الحق لا عليهم، كالنفس الأمارة بالإضلال، والإعراض عن الحق سواء {الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج: 25] أي: يستوي في الوصول إلى مقام الطلب الذي سبق إليه بمدة طويلة، والذي يصل إليه في الحال ليس لأحد فضل على الآخرة إلا بالسبق إلى مقام القلب ومنازله.
وبقوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] يشير إلى أن من يريد في القلب ميلاً عن الحق بظلم بوضع الشيء في غيره موضعه؛ لأن القلب معدن محبة الله تعالى يذيقه الله تعالى عذاب البعد، والقطيعة عن الحضرة {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ} [الحج: 26] ، الروح {مَكَانَ الْبَيْتِ} [الحج: 26] القلب، فإن تهيؤ القلوب بتدبير الأرواح وتقدير الحق تعالى {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً} [الحج: 26] في سكنى القلب أي: حارساً للقلب لئلا يسكن فيه غيري {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} [الحج: 26] أي: أفرغ القلب عن الأشياء سواي، وهذا كمال قال تعالى بالوحي إلى بعض أنبيائه: أفرغ لي بيتاً أسكنه، فقال: إلهي أي بيت يسعك؟ فأوحى الله إليه: ذلك قلب عبدي المؤمن، ويقال: طهر بيتي بإخراج كل نصيب لك في الدنيا والآخرة من تطلع إكرام، وتطلب إنعام أو إرادة مقام، ويقال: طهر قلبك {لِلطَّآئِفِينَ} [الحج: 26] فيها من واردات الحق وموارد الأحوال على ما يختاره الحق {الْقَآئِمِينَ} [الحج: 26] وهي الأشياء المقيمة من مستوطنات العرفان، والأمور المغيبة عن البرهان، والمطلقة بما هي حقائق البيان {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26] هي أركان الأحوال المتوالية من: الرهبة والرغبة والرجاء والمخافة والفيض والبسطة والإنس والهيبة، وفي معناه أنشد:
لستُ من جملةِ المحبين إن لم ... أجعل القلبَ بيتَه والمَقاما
وطوافي أخالُهُ السيرَ فيه ... وهو رُكني إذا أردتُ استلاما