وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى فِي عَقْلٍ وَلَا خَبَرٍ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مَعْنَى مُرَادِهِ مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومُ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ مَا وَصَفْتُ مِنْ قَبْلُ مِنْ أَنَّهُ: وَالَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ مُتَذَلِّلُونُ لِلَّهِ بِإِدَامَةِ مَا أَلْزَمُهُمْ مِنْ فَرْضِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَإِذَا تَذَلَّلَ لِلَّهِ فِيهَا الْعَبْدُ رُؤِيَتْ ذِلَّةُ خُضُوعِهِ فِي سُكُونِ أَطْرَافِهِ , وَشُغْلِهِ بِفَرْضِهِ , وَتَرْكِهِ مَا أُمِرَ بِتَرْكِهِ فِيهَا.
وَقَوْلُهُ {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ الْبَاطِلِ وَمَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ مُعْرِضُونَ.
عَنِ الْحَسَنِ:" {عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} قَالَ: عَنِ الْمَعَاصِي"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ هُمْ لِزَكَاةِ أَمْوَالِهِمُ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهَا مُؤَدُّونَ، وَفِعْلُهُمُ الَّذِي وُصِفُوا بِهِ هُوَ أَدَاؤُهُمُوهَا.
قَوْلُهُ {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ}
يَقُولُ: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِ أَنْفُسِهِمْ. وَعَنِيَ بِالْفُرُوجِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: فَرُوجَ الرِّجَالِ، وَذَلِكَ أَقْبَالُهُمْ.
{حَافِظُونَ} يَحْفَظُونَهَا مِنْ أَعْمَالِهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْفُرُوجِ.
{إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ}
يَقُولُ: إِلَّا مِنْ أَزْوَاجِهِمُ اللَّاتِي أَحَلَّهُنَّ اللَّهُ لِلرِّجَالِ بِالنِّكَاحِ.
{أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}
يَعْنِي بِذَلِكَ: إِمَاءَهُمْ.
وَ (مَا) الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} فِي مَحِلِّ خَفْضٍ عَطْفًا عَلَى الْأَزْوَاجِ.
{فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ}
يَقُولُ: فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ فَرْجَهُ عَنْ زَوْجِهِ وَمِلْكِ يَمِينِهِ , وَحَفِظَهُ عَنْ غُيْرِهِ مِنَ الْخَلْقِ , فَإِنَّهُ غَيْرُ مُوَبَّخٍ عَلَى ذَلِكَ وَلَا مَذْمُومٍ , وَلَا هُوَ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ رَاكِبٌ ذنبًا يُلَامُ عَلَيْهِ.