فهرس الكتاب
الثَّالِثُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ أَنْ يَكُونَ حَدُّهُمَا بِمَشْهَدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَكُونُ فِي خَلْوَةٍ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُمَا أَحَدٌ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي مَصْلَحَةِ الْحَدِّ، وَالْحِكْمَةُ الزَّجْرُ، وَحَدُّ الزَّانِي الْمُحْصَنِ مُشْتَقٌّ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْمِ لُوطٍ بِالْقَذْفِ بِالْحِجَارَةِ، وَذَلِكَ لِاشْتِرَاكِ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ فِي الْفُحْشِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَسَادٌ يُنَاقِضُ حِكْمَةَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ، فَإِنَّ فِي اللِّوَاطِ مِنَ الْمَفَاسِدِ مَا يَفُوتُ الْحَصْرَ وَالتَّعْدَادَ، وَلَأَنْ يُقْتَلَ الْمَفْعُولُ بِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُؤْتَى، فَإِنَّهُ يَفْسَدُ فَسَادًا لَا يُرْجَى لَهُ بَعْدَهُ صَلَاحٌ أَبَدًا، وَيَذْهَبُ خَيْرُهُ كُلُّهُ، وَتَمُصُّ الْأَرْضُ مَاءَ الْحَيَاءِ مِنْ وَجْهِهِ، فَلَا يَسْتَحِي بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ وَلَا مِنْ خَلْقِهِ، وَتَعْمَلُ فِي قَلْبِهِ وَرُوحِهِ نُطْفَةُ الْفَاعِلِ مَا يَعْمَلُ السُّمُّ فِي الْبَدَنِ.
[الْحِكْمَةُ فِي حَدِّ الزِّنَا وَتَنْوِيعِهِ]
وَأَمَّا الزَّانِي فَإِنَّهُ يَزْنِي بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَالتَّلَذُّذُ بِقَضَاءِ شَهْوَتِهِ يَعُمُّ الْبَدَنَ، وَالْغَالِبُ مِنْ فِعْلِهِ وُقُوعُهُ بِرِضَا الْمَزْنِيِّ بِهَا، فَهُوَ غَيْرُ خَائِفٍ مَا يَخَافُهُ السَّارِقُ مِنْ الطَّلَبِ، فَعُوقِبَ بِمَا يَعُمُّ بَدَنَهُ مِنْ الْجَلْدِ مَرَّةً وَالْقَتْلِ بِالْحِجَارَةِ مَرَّةً؛ وَلَمَّا كَانَ الزِّنَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْجَرَائِمِ وَكَبَائِرِ الْمَعَاصِي لِمَا فِيهِ مِنْ اخْتِلَافِ الْأَنْسَابِ الَّذِي يَبْطُلُ مَعَهُ التَّعَارُفُ وَالتَّنَاصُرُ عَلَى إحْيَاءِ الدِّينِ، وَفِي هَذَا هَلَاكُ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ فَشَاكَلَ فِي مَعَانِيهِ أَوْ فِي أَكْثَرِهَا الْقَتْلَ الَّذِي فِيهِ هَلَاكُ ذَلِكَ، فَزُجِرَ عَنْهُ بِالْقِصَاصِ لِيَرْتَدِعَ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ مَنْ يَهُمُّ بِهِ، فَيَعُودُ ذَلِكَ بِعِمَارَةِ الدُّنْيَا وَصَلَاحِ الْعَالَمِ الْمُوَصِّلِ إلَى إقَامَةِ الْعِبَادَاتِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى نَعِيمِ الْآخِرَةِ.
ثُمَّ إنَّ لِلزَّانِي حَالَتَيْنِ: