فهرس الكتاب
الشَّافِعِيُّ مُنَاظَرَةً جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ خَالَفَهُ فِيهِ ، فَقَالَ: قَالَ لِي بَعْضُهُمْ: لَا أَعْرِفُ الْحَدَّ إِلَّا وَاحِدًا ، وَإِنْ كَانَ مَضْنُوءًا مِنْ خِلْقَتِهِ . قُلْتُ لَهُ: أَتَرَى الْحَدَّ أَكْبَرَ أَوِ الصَّلَاةَ ؟ فَقَالَ: الصَّلَاةُ . قَالَ: كُلُّ فَرْضٍ قَدْ نَأْمُرُهُ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَجَالِسًا ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِهِ . فَقَالَ: هَذَا اتِّبَاعُ سُنَّةٍ ، وَمَوْضِعُ ضَرُورَةٍ . قُلْتُ: فَكَذَلِكَ الْجَلْدُ اتِّبَاعُ سُنَّةٍ وَمَوْضِعُ ضَرُورَةٍ . قَالَ: فَقَدْ يَتْلَفُ الصَّحِيحُ الْمُحْتَمِلُ لِلضَّرْبِ ، وَيَعِيشُ النِّضْوُ الضَّعِيفُ . قُلْتُ: إِنَّمَا إِلَيْنَا الظَّاهِرُ ، وَالْأَرْوَاحُ بِيَدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ . وَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ وَجَوَابٌ مُقْنِعٌ .
فَصْلٌ: فَإِنْ سَرَقَ هَذَا النِّضْوُ الْخَلْقَ ، وَعُلِمَ أَنَّ الْقَطْعَ قَاتِلُهُ جلد الزاني فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ كَمَا يَسْقُطُ عَنْهُ عَدَدُ الْجَلْدِ فِي الزِّنَا: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ زَجْرُهُ دُونَ قَتْلِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقْطَعُ كَغَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي جَلْدِ الزِّنَا مُخَالِفًا لِغَيْرِهِ: لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَطْعَ اسْتِهْلَاكٌ كَالرَّجْمِ فَاسْتَوَيَا فِيهِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَطْعِ بَدَلٌ ، وَلِلْجَلْدِ بَدَلٌ فَافْتَرَقَا ، وَلَكِنْ لَوْ كَانَ الْقَطْعُ مُسْتَحِقًّا فِي قِصَاصٍ وَجَبَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ وَجْهًا وَاحِدًا ، وَلَوْ كَانَ الْجَلْدُ مُسْتَحِقًّا فِي حَدِّ قَذْفٍ حُدَّ كَحَدِّ الزِّنَا .