وبهذه الثلاثة فُسِّر قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] .
وقال الراعي يخاطب عبد الملك بن مروان:
أَوَليَّ أمرِ اللَّه إنا مَعشر...
حُنفاء نسجد بكرة وأصيلاً
فهذا معنى قولهم لها: {والأمرُ إليك} [النمل: 33] .
وقد أفادت إضافة {أمري} تعريفاً ، أي في الحادثة المعيَّنة.
ومعنى {قاطعة أمراً} عاملةً عملاً لا تردد فيه بالعزم على ما تجيب به سليمان.
وصيغة {كنت قاطعة} تؤذن بأن ذلك دأبها وعادتها معهم ، فكانت عاقلة حكيمة مستشيرة لا تخاطر بالاستبداد بمصالح قومها ولا تعرِّض ملكها لمهاوي أخطاء المستبدين.
والأمر في {ما كنت قاطعة أمراً} هو أيضاً الحال المهم ، أي أنها لا تقضي في المهمات إلا عن استشارتهم.
و {تَشهدون} مضارع شَهِد المستعمل بمعنى حَضر كقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر} [البقرة: 185] ، أي حتى تَحْضُرون.
وشهد هذا يتعدى بنفسه إلى كل ما يحضر فاعل الفعل عنده من مكان وزمان واسم ذات ، وذلك تعدّ على التوسع لكثرته ، وحق الفعل أن يُعدى بحرف الجر أو يعلق به ظرف.
يقال: شهد عند فلان وشهد مجلس فلان.
ويقال: شهد الجمعة.
وفعل {تشهدون} هنا مستعمل كناية عن المشاورة لأنها يلزمها الحضور غالباً إذ لا تقع مشاورة مع غائب.
والنون في {تشهدون} نون الوقاية وحذفت ياء المتكلم تخفيفاً وألقيت كسرة النون المجتلبة لوقاية الحرف الأخير من الفعل عن أن يكون مكسوراً ، ونون الوقاية دالة على المحذوف.
وقرأه الجمهور بحذف الياء وصلاً ووقفاً.
وقرأ يعقوب بإثبات الياء وصلاً ووقفاً.
وفي قولها: {حتى تشهدون} كناية عن معنى: توافقوني فيما أقطعه ، أي يصدر منها في مقاطع الحقوق والسياسة: إما بالقول كما جرى في هذه الحادثة ، وإما بالسكوت وعدم الإنكار لأن حضور المعدود للشورى في مكان الاستشارة مغن عن استشارته إذ سكوته موافقة.