فهرس الكتاب
{وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} فَاسِقِينَ (12)
هذه آية أخرى ومعجزة جديدة، قال عنها في موضع آخر: {اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} [القصص: 32] .
فما الفرق بين: أَدْخِل يدك، واسْلُك يدك؟ قالوا: لأنه ساعة يُدخِل يده في جيبه يعني: في فتحة القميص، إنْ كانت فتحة القميص مفتوحة أدخل يده بسهولة فيُسمّى (إدخال) .
فإن كانت مغلقة (فيها أزرار مثلاً) احتاج أنْ يسلك يده يعني: يُدخلها برفق ويُوسِّع لها مكاناً، نقول: سلك الشيء يعني: أدخله بلُطْف ورِفْق، ومنه السلك الرفيع حين تُدخِله في شيء.
وساعةَ نسمع كلمة الجيب نجد أن لها معنىً عرفياً بين الناس، ومعنى لُغوياً: فمعناها في اللغة فتحة القميص العليا، والتي تكون للرقبة، وهي في المعنى العُرْفي فتحة بداخل الثوب يضع فيها الإنسان نقوده، يقولون (جيب) والعوام لهم عُذْر في ذلك؛ لأنهم اضطروا إلى حِفْظ نقودهم داخل الثياب، حتى لا تكون ظاهرة، وربما سرقها منهم النشالون والأشقياء.
ولا يزال الفلاحون في الريف يجعلون الجيب في (السديري) الداخلي؛ لذلك سمعنا الحاوي مثلاً يقول ليُحنِّن الناس عليه بارك الله فيمَنْ يضع يده في جيبه يعني: بارك الله في الذي يعطيني جنيهاً.
وقوله تعالى {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء} [النمل: 12] أي: وأخرجها تخرج بيضاء ناصعة مُنوِّرة، ومعلوم أن موسى عليه السلام كان آدمَ اللون يعني: أسمر، فحين يروْنَ لونه تغيّر إلى البياض، فربما قالوا: إن ذلك مرضٌ كالبرص مثلاً.
لذلك أزال الله هذا الظنَّ بقوله: {مِنْ غَيْرِ سواء} [النمل: 12] من غير مرض {فِي تِسْعِ آيَاتٍ إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} [النمل: 12] ليعلم موسى عليه السلام أن هذه الآية واحدة من تسع آيات أخرى يُثبِّته الله بها أمام عدوه فرعون وقومه.