نلاحظ أن الله عزّ وجل وصف داود عليه السلام بالقوة والأوبة، وهما مطلوبان من كل مسلم أن يكون قويا رجّاعا إلى الله عزّ وجل، وهاتان الصفتان في سياق السورة تبيّنان أن المسلم يجابه الكفر بالصبر والقوة، والرجوع إلى الله، وذكرت لنا الآيات ما أعطى الله عزّ وجل داود بهاتين الصفتين: من تسبيح الجبال، والطير معه، ومن تقوية ملكه، وإيتائه الحكمة، وإعطائه فصل الخطاب في القول إذا تكلم، فكأنّ الله عزّ وجل يقول للمسلم: أيها المسلم كن صابرا قويا، أوّابا، وسأعطيك الكثير كما أعطيت داود عليه السلام. هذا هو الدرس الأول من ذكر قصة داود عليه السلام في سياق هذه السورة. والآن يقصّ الله علينا حادثة عن داود عليه السلام يتبيّن لنا فيها كيف أنّ داود عليه السلام كان أوّابا، وفيها مثل على حكمة داود وعلى إعطائه الحكمة وفصل الخطاب. فالحادثة تخدم قصة داود عليه السلام في جوانب متعددة.
وَهَلْ أَتاكَ يا محمد نَبَأُ الْخَصْمِ أي خبر الخصماء. قال النسفي: ظاهر الاستفهام ومعناه الدلالة على الأنباء العجيبة إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ أي تصعّدوا سوره ونزلوا إليه، والسور: الحائط المرتفع، والمحراب: الغرفة أو المسجد، أو صدر المسجد
إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قال ابن كثير:(إنما كان ذلك لأنه كان
في محرابه وهو أشرف مكان في داره، وكان قد أمر أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم، فلم يشعر إلا شخصين قد تسوّرا عليه المحراب، أي احتاطا به يسألانه عن شأنهما)قالُوا الضمير يعود على الخصم، ولذلك جمع مع أنهما كانا اثنين. والظاهر أنهما ملكان في صورة إنسانين لا تَخَفْ خَصْمانِ أي نحن خصمان بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ أي تعدّى بعضنا على بعض وظلم فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ أي ولا تجر أي لا تتجاوز الحدّ ولا تتخطّى الحقّ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ أي وأرشدنا إلى وسط الطريق ومحجّته، والمراد عين الحق ومحضه
إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ المراد بالأخوّة هنا أخوّة الدنيا، أو أخوّة الصداقة والألفة، أو أخوّة الشركة والخلطة فَقالَ أَكْفِلْنِيها أي ملّكنيها.