والمعنى: أن الله نزَّل أحسن الحديث، وهو القرآن العظيم - نزله كتابًا متشابهًا -، يشبه بعضه بعضا في الصدق والحق والوعظ والحكمة والإعجاز واستتباع منافع العباد في المعاش والمعاد وجعله مثاني أي: مرددًا ومكررا وكرر من قصصه وأنبائه وأحكامه، وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، ومواعظه.
وقيل: هو مثاني لأنه يثنى في التلاوة فلا يمل، ووقوع مثاني وهو جمع صفة لكتاب وهو مفرد باعتبار تفاصيله، وتفاصيل الشيء هي جملته ألا تراك تقول: إن القرآن سور وآيات، وأسباع وأخماس. فكذلك تقول: هو أحكام ومواعظ وأقاصيص {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} استئناف مسوق لبيان آثاره الظاهرة في سامعيه بعد بيان أوصافه في نفسه، ولتقرير كونه أحسن الحديث، ومن هيبته تقشعر منه جلود الذين يخشون الله حقّ خشيته، بمعنى تتقبض تقبضا شديدا. والمراد: إما بيان خشيتهم بطريق التمثيل والتصوير، أو بيان حصول تلك الحالة وعروضها بطريق التحقيق.
والمعنى: أنهم إذا سمعوا القرآن وقوارع آيات وعيده أصابتهم رهبة وخشية تقشعر منها جلودهم، وإذا ذكروا رحمة الله - تعالى - تبدلت خشيتهم رجاء، ورهبتهم رغبة
وذلك قوله تعالى: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ} أي: تلين ساكنة مطمئنة إلى ذكر رحمته - تعالى - وإنما لم يصرح بها لأنها أول ما يخطر بالبال عند ذكره - تعالى - لأصالته كما يرشد إليه خبر (سبقت رحمتى غضبي) وليس في الآية أكثر من نعت أوليائه باقشعرار الجلود من القرآن ثم سكونهم إلى ذكر رحمته - عَزَّ وَجَلَّ - ولم ينعتهم الله بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما هذا في أهل البدع وهو من الشيطان.
عن أسماءَ بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - قالت: (كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قرئَ عليهم القرآن كما نعتهم الله تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم، قيل لها: فإن أناسا اليوم إذا قرئ القرآن عليهم خرَّ أحدهم مغشيا عليه، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) .