فهرس الكتاب
{لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}
تحدثنا هذه الآية عن نوع آخر من الشرك، فهؤلاء لم يعبدوا الأصنام ولا الشمس ولا القمر، إنما اتخذوا أشياء أخرى يروْنَ بينها وبين الله تعالى صلة، كما نقول (من ريحته) ، ورأوا أن ذلك أخفّ وأهون من عبادة الأصنام، هؤلاء كالذين قالوا عزير ابن الله، والذين قالوا المسيح ابن الله، أو الملائكة بنات الله .. الخ فردّ الله عليهم:
{لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} [الزمر: 4] يعني: هذه مسألة لا دَخْلَ لكم فيها ولا اختيار، لا تختاروا أنتم لله ولداً؛ لأن الله تعالى لو أراد ذلك - على فرض - لاختار من خَلْقه ما يشاء هو، لا ما تختارون أنتم.
لذلك خاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:
{قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ} [الزخرف: 81] أي: من اختياره ويخبر هو به
{فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف: 81] يعني: أول المصدِّقين المؤمنين به، فهو على العين والرأس، إنما هذا أمر لم يخبر الله به، وإنما نفاه عن نفسه سبحانه.
وقد ورد في الحديث:"الخَلْق كلهم عيال الله، فأحبُّهم إليه أرأفهم بعياله"إذن: فالبنوة ليست لله تعالى، وحتى في بنوة الرسل لم يجعلها الله بنوةَ دم، ولا بنوةَ أبدان، إنما بنوة أديان، وأوضح مثال على ذلك سيدنا نوح - عليه السلام - وولده.
لما أبَى الولد وعصى أمر أبيه أيقَن الوالد أنه من الهالكين، فدعا الله:
{فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [هود: 45] لكن عدل الله له معنى البنوة، فقال سبحانه:
{قَالَ يانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 46] فسيدنا نوح ظن أن البنوة بنوة نسب، لكن بنوة الأنبياء بنوة اتباع.
والحرف (لو) في {لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} [الزمر: 4] حرف امتناع لامتناع، وهو من أدوات الشرط يفيد امتناعَ وقوع الجواب لامتناع وقوع الشرط، فالحق سبحانه لم يتخذ ولداً لأنه لم يُردْ ذلك، ولو أراده لكانَ ما يريد.
وفي موضع آخر، يناقش الحق سبحانه أصحاب هذا الافتراء، يقول لهم بالمنطق
{أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ}