فهرس الكتاب
[الأنعام: 101] .
ثم لماذا يُتخذ الولد؟ يتخذ الولد ليكون عزوةً لأبيه أو امتداداً له بعد موته، والحق - تبارك وتعالى - هو الغني العزيز عن خَلْقه، وهو الدائم الباقي فلماذا يُتخذ الولد؟ والذين نَسبوا لله تعالى الولدَ في العصور المتأخرة من الديانات، كالذين قالوا: المسيح ابن الله، فهل كان الله تعالى منذ خلق هذا الكون بلا ولد إلى أنْ جاء عيسى فاتخذه الله ولداً.
وبعد أنْ أخذ عيسى من الوجود أظلَّ الله تعالى هكذا (غلبان مقطوع من شجرة) بلا ولد؟ كيف يستقيم لكم هذا الادعاء؟ إنها مسألة لا تصح أبداً في حق الله تعالى، فالله لا يحتاج إلى عزوة، ولا يحتاج لمعونة الولد، لأن الله تعالى خلق الخَلْق كله من ألفه إلى يائه، خلقه بكامل قدرته، وبصفات الكمال فيه، فلم يزده الخَلْق شيئاً ولا صفة لم تكُنْ له من قبل.
لذلك يقول بعض أهل الشطح في هذه الآية: {لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} [الزمر: 4] يقول: لو كان للرحمن ولد كنتُ أنا أَوْلَى أنْ أكونَ ولده؛ لأنني أول العابدين.
ثم يُذيِّل الحق سبحانه هذه الآية بما يُنزِّه الله عن هذا الافتراء: {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ} [الزمر: 4] يعني: سبِّحه ونزِّهه عن هذه المسألة، فإنها لا تليق به سبحانه، ونزهه أنْ يشابه شيئاً من خلقه، حتى لو وقفت أمام مسألة لا يدركها عقلك قُلْ سبحان الله كما قال الله:
{سُبْحَانَ الَّذِي خَلَق الأَزْوَاجَ كُلَّهَا} [يس: 36] .
وقال:
{فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] .
وقال:
{سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} [الإسراء: 1] .
فالحق سبحانه في مثل هذه المواقف يُعلِّمنا أنْ نُنزِّه الله، لأن العقل سيقف أمام هذه الأحداث حائراً، لكن الحدث هنا منسوب إلى الله فلا عجبَ إذن، لأن زمنَ الحدث يتناسب مع القوة الفاعلة تناسباً عكسياً، فكلما زادتْ القوة قَلَّ الزمن، فإذا نسبتَ الفعل إلى قوة القوى تجد لا زمن.
إذن: نزّهوا الله عن اتخاذ الولد لأنه {هُوَ اللَّهُ} [الزمر: 4] الذي له كُلُّ صفات الكمال {الوَاحدُ} الذي ليس معه غيره {القَهَّارُ} أي: الذي لا يحتاج إلى عزْوة، ولا يحتاج إلى مُعين.