وعبارة «المراح» في معنى الآية: أي: واضرب يا أشرف الرسل لقومك مثلا، وقل لهم: ما تقولون في رجل مملوك، قد اشترك فيه شركاء بينهم تنازع، فكل واحد منهم يدعي أنه عبده، فهم يتجاذبونه في حوائجهم، وهو متحير في أمره، فكلما أرضى أحدهم غضب الباقون، وإذا احتاج في مهم إليهم، فكل واحد منهم يرده إلى الآخر، فهو يبقى متحيرًا لا يعرف أيهم أولى بأن يطلب رضاه، وأيهم يعينه في حاجاته، فهو بهذا السبب يلقى منهم التعب العظيم، وفي رجل آخر له مخدوم واحد، يخدمه على سبيل الإخلاص، وذلك السيد يعينه على حاجاته، فإن أطاعه عرف له، وإن أخطأ صفح عن خطئه، فأي هذين العبدين أحسن حالًا، وأحمد شأنا، وأقل تعبًا؟ وهذا مثل ضربه الله للكافر، الذي يعبد آلهة شتى، والمؤمن الذي يعبد الله وحده، انتهى. وقوله: {هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا} ؛ أي: هل تستوي صفتاهما، وحالاهما؟ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ؛ أي: بعد أن بطل القول بإثبات الشركاء والأنداد، وثبت أن لا إله إلا هو ثبت أن الحمد لله لا لغيره {بَلْ أَكْثَرُهُمْ} ؛ أي: أكثر الناس لا يعلمون اختصاص الحمد بالله، فيشركوا به غيره.
وفي الآية: إشارة إلى بيان عدم الاستواء، بين الذي يتجاذبه شغل الدنيا، وشغل العيال، وغير ذلك من الأشياء المختلفة، والخواطر المتفرقة، وبين الذي هو خالص لله، ليس للخلق فيه نصيب، ولا للدنيا نصيب. وهو من الآخرة غريب، وإلى الله قريب منيب.
والحاصل: أن الراغب في الدنيا شغلته أمور مختلفة، فلا يتفرغ لعبادة ربه، وإذا كان في العبادة يكون قلبه مشغولًا بالدنيا، والزاهد قد تفرّغ من جميع أشغال الدنيا، فهو يعبد ربه خوفًا وطمعًا، والعارف قد تفرغ من الكونين، فهو يعبد ربه شوقًا إلى لقائه، فلا استواء بين البطّالين والطالبين، وبين المنقطعين والواصلين الحمد لله، والثناء له خاصةً. فعلى العاقل الرجوع إلى الله، والعمل بما في القرآن، والاعتبار بأمثاله حتى يكون من الذين يعلمون حقيقة الحال.