قيل: إنه لا يقال ولا يوصف بخلق هذه الأشياء على التقييد والتخصيص: يا خالق الأنجاس والأقذار وما ذكر؛ لأنه يخرج الوصف له بذلك مخرج الهجاء والذم، وكان في الجملة يوصف بذلك، ويدخل الأشياء كلها في ذلك؛ لما ذكرنا أن قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) . يخرج مخرج الامتداح والتعظيم له، والوصف بالربوبية له والألوهية؛ ألا ترى أنه لا يقال - على التخصيص -: إنه وكيل؛ وإن كان في الجملة يقال - كما ذكرنا -: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) ؛ لأنه في الجملة يخرج مخرج الربوبية له والألوهية، والوصف له بالمدح، وعلى التخصيص والإفراد، يخرج على الهجاء والذم؛ لذلك افترقا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...(63)
كأنه يقول: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
قيل: هي المفاتيح، وهي فارسية عربت.
وجائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُ مَقَالِيدُ) . أي: له مفاتيح: جميع البركات والخيرات على أهل السماوات والأرض، يخبر أن ذلك كله بيده، ليس بيد أحد سواه، منه يطلب ذلك، ومنه يستفاد، واللَّه أعلم.
ثم لم يفهم مما أضيف إليه من المقاليد ما يفهم من مقاليد الخلق لو أضيف إليهم؛ فكيف فهم مما أضيف إليه: من مجيء، أو استواء، وغير ذلك ما فهم مما أضيف إلى الخلق، واللَّه الموفق؟
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) .
كأن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - جعل هذه الدنيا وما فيها لأهلها، وبين أحوالهم، يتخيرون بها ويشترون بها الآخرة، ويتزودون لها؛ ولذلك قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) ، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ) ، فمن لم يتزود لم يجعلها بلغة إلى الآخرة سمي: خاسرًا مغبونًا، واللَّه أعلم.