بقَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ سبقت لهم) الآية. وأما عَلَى الثاني فلتصريح
عبوديته مع الحصر المبطلة لبنوته وألوهيته وكذا أبطل معبوديته بالقصر عَلَى عبوديته فإنه
اضمحل ما اخترعوا وما اختلفوا من النقض عَلَى قوله (واسأل من أرسلنا)
بعبادة عيسى وظهر أَيْضًا بطلان ما قَالُوا إن مُحَمَّدًا يريد أن يُعبد لأنه لما كان العُبُوديَّة
منافية للألوهية وكان صلى الله تَعَالَى عليه وسلم عبدًا مكرمًا من عباده المخلصين وضح
بطلان ما [اختلقوه] وظهر حسن التَّعْبير بـ (عبد) من وجوه مع أنه أشرف صفات الْأَنْبيَاء ولذا لم
يجئ إن هُوَ إلا نبي، وإنما قال كالْجَوَاب لعدم كونه جوابًا صريحًا.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ(60)
قوله: (لولَّدناه منكم يا رجال كما ولدنا عيسى من غير أب) لولَّدناه بتشديد اللام يا
رجال بيان الْمُرَاد بضمير منكم أي إنه بقدرته القاهرة يجوز أن يولِّد الْمَلَائكَة من البشر
الرجال كما أشار إليه بقوله يا رجال فيكون توليد الْمَلَائكَة بلا أم عكس عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ
كما خلقناهم بطَريق الإبداع. أي إن مثل عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ ليس ببدع من قدرة الله تَعَالَى
فإنه تَعَالَى قادر عَلَى أبدع من ذلك كما أشار إليه بقوله: والْمَعْنَى أن حال عيسى الخ. فكلمة
من ابتدائية وملائكة مَفْعُول ثانٍ إن قلنا إن جعلنا بمعنى صيرنا، أو حال إن كان بمعنى خلق
أي يبتدئ التوليد منكم مع أنهم عَلَى صفة الملكية، والظَّاهر كون المادة نطفة ومع ذلك
يكونون عَلَى صفة الملكية، ويحتمل أن يكون ابتداء خلقهم من الرجال بدون نطفة وهذا
أبدع من الأول والكل أبدع من خلق عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ بدون أب وجوز أن يكون من
تبعيضية، فالْمَعْنَى لولَّدنا بعضكم فحِينَئِذٍ يكون ملائكة حالًا فالْمُرَاد أن الْمَلَائكَة مخلوقون
مثلكم لا يصلحون للعبادة الذي خيل لكم اعتقادكم كونهم من غير توليد لو شئنا أوجدناهم
بالتوليد عَلَى وجه أبدع من خلق عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: والْمَعْنَى أن حال عيسى وإن كانت عجيبة فاللَّه تَعَالَى قادر عَلَى ما هُوَ أعجب من ذلك.
معنى كون توليد الْمَلَائكَة من بني آدم أعجب من توليد عيسى من غير فحل؛ إذ ذلك توليد جنس من
غير جنسه ولا كَذَلكَ حال عيسى فإنه ولد من مريم فإنه توليد البشر من البشر والأول توليد الملك
من البشر ولكون توليد الجنس من الجنس أهون بالْقيَاس إلَى العقول البشرية من توليد جنس من
خلافه كان الثاني أعجب من الأول ولا عجب فيهما بالنسبة إلَى قدرته الباهرة. قال الإمام في شرح
الأسماء الحسنى في معنى اسمه العظيم: حكي أن بعض المشايخ سُئل عن عظمة الله تَعَالَى فقال ما
تقول فيمن له عبد واحد اسمه جبريل له ستمائة جناح لو نشر منها جناحين لستر الخافقين. وهذا
وإن كان صحيحًا فإن من عرف أن مقدوراته لا نهاية لها فلو أراد أن يخلق في طرفة عين آلاف
ألف عالم لم يكن ذلك بأشق من خلقه بقة ولا خلق البقة عليه بأهون من خلق تلك العوالم لم
يستعظم خلق جبْريل عَلَيْهِ السَّلَامُ. وفي بعض الْأخْبَار أن ملكًا قال يا رب أُريد أن أرى العرش فزد
من قوتي حتى أطير لعلي أدرك العرش فخلق الله له ثلاثين ألف جناح وطار ثلاثين ألف سنة فلم
يقطع قائمة العرش فاستأذن في الرجوع إلَى مكانه فأذن له.