وبعد هذا الحديث عن جانب من قصة موسى، وعن جانب من قصة عيسى - عليهما السلام - ، وعن موقف أقوامهما منهما .. بعد كل ذلك رسمت السورة الكريمة صورة واضحة لحسن عاقبة المؤمنين، ولسوء عاقبة المكذبين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، فقال - تعالى -:
[سورة الزخرف (43) : الآيات 67 إلى 80]
(الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ(67)
وقوله - تعالى -: الْأَخِلَّاءُ جمع خليل بمعنى صديق. وسمى الأصدقاء أخلاء، لأن المودة التي بينهم تخللت قلوبهم واختلطت بنفوسهم.
أي: الأصدقاء في الدنيا، يصير بعضهم لبعض يوم القيامة أعداء، لأنهم كانوا يجتمعون على الشرور والآثام في الدنيا، وكانوا يتواصون بالبقاء على الكفر والفسوق والعصيان فلما جاء يوم القيامة، وانكشفت الحقائق .. انقلبت صداقتهم إلى عداوة.
إِلَّا الْمُتَّقِينَ فإن صداقتهم في الدنيا تنفعهم في الآخرة، لأنهم أقاموها على الإيمان والعمل الصالح والطاعة لله رب العالمين.
فالآية الكريمة إنذار للكافرين الذين كانت صداقاتهم في الدنيا تقوم على محاربة الحق، ومناصرة الباطل ... وبشارة عظيمة للمتقين الذين بنوا صداقتهم في الدنيا على طاعة الله - تعالى - ونصرة دينه، والعمل بشريعته.
ثم بشر الله - تعالى - عباده بجملة من البشارات الكريمة، فقال - تعالى -: يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ. ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ.
والخوف معناه: توقع ما يخشاه ويغتم له الإنسان في المستقبل. والحزن معناه: غم يلحق الإنسان من أجل شيء مضى.
وقوله: تُحْبَرُونَ أي: تفرحون وتسرون سرورا عظيما يظهر حباره - بفتح الحاء وكسرها - أي: أثره الحسن على وجوهكم وأفئدتكم، فهو من الحبر - بفتح الحاء والباء - بمعنى الأثر. ويصح أن يكون من الحبر - بسكون الباء - بمعنى الزينة وحسن الهيئة.
وبهذا ترى الآيات الكريمة قد نفت عنهم الخوف والحزن، وفتحت لهم أبواب الجنة، وأعلمتهم بأنهم سيكونون هم وأزواجهم في سرور دائم.