و {يؤفكون} يُصْرَفون: يقال: أفكَه عن كذا ، يأفِكه من بابْ ضَرب ، إذا صرفه عنه ، وبُني للمجهول إذ لم يصرفهم صارف ولكن صرفوا أنفسهم عن عبادة خالقهم ، فقوله: {فأنى يؤفكون} هو كقول العرب: أين يُذهَب بك ، أي أين تذهب بنفسك إذ لا يريدون أن ذاهباً ذهب به يسألونه عنه ولكن المراد: أنه لم يذهب به أحد وإنما ذهب بنفسه.
وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (88)
القيل مصدر قَال ، والأظهر أنه اسم مراد به المفعول ، أي المقول مثل الذِبح وأصله: قِوْل ، بكسر القاف وسكون الواو.
والمعنى: ومقوله.
والضمير المضاف إليه: (قيل) ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم بقرينة سياق الاستدلال وَالحجاججِ من قوله: {قل إن كان للرحمن ولدٌ فأنا أول العابدين} [الزخرف: 81] ، وبقرينة قوله: {يا رب} وبقرينة أنه قال: {إن هؤلاء قوم لا يؤمنون} وبقرينة إجابته بقوله: {فاصفح عنهم وقلْ سلام} [الزخرف: 89] ، والأولى أن يكون ضمير الغائب التفاتاً عن الخطاب في قوله: {ولئن سألتهم من خلقهم} [الزخرف: 87] ، فإنه بعد ما مضى من المحاجّة ومن حكاية إقرارهم بأن الله الذي خلقهم ، ثم إنهم لم يتزحزحوا عن الكفر قيد أنملة ، حصل اليأس للرسول من إيمانهم فقال: {يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون} التجاء إلى الله فيهم وتفويضاً إليه ليجري حكمه عليهم.
وهذا من استعمال الخبر في التحسر أو الشكاية وهو خبر بمعنى الإنشاء مثل قوله تعالى: {وقال الرسول يا ربّ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً} [الفرقان: 30] ، أي لم يعملوا به فلم يؤمنوا ، ويؤيّد هذا تفريع {فاصفَح عنهم} [الزخرف: 89] ، ففي ضمير الغيبة التفات لأن الكلام كان جارياً على أسلوب الخطاب من قوله: {ولئن سألتهم من خلقهم} [الزخرف: 87] فمقتضى الظاهر: وقولَكَ: يا ربّ الخ.