{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] .
{وَقِيلِهِ يارَبِّ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} * {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}
كلمة (قِيلِه) مصدر لقال، نقول: قال قولاً ومقالاً وقيلاً، فمعنى (قيله) يعني قوله، قول مَنْ؟ قول سيدنا رسول الله يخاطب ربه {يارَبِّ إِنَّ هَؤُلاَءِ} [الزخرف: 88] كفار مكة {قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [الزخرف: 88] .
لاحظ أنه صلى الله عليه وسلم أُوذِي من هؤلاء القوم في نفسه إيذاءاً وفي معنوياته برميه بما ليس فيه من السحر والشعر، والكهانة والجنون، وفي أهله، ولاقى منهم الأمرَّيْن، ومع ذلك لم يذكر شيئاً عن هذا كله، وكل ما اهتم به هو مسألة إيمان القوم، فلم يقُلْ: يا رب إن قومي آذوني وفعلوا كذا وكذا، إنما قال {يارَبِّ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [الزخرف: 88] .
هذا الذي حَزَّ في نفسه وأغضبه صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قطّ ولا غضب لنفسه قط، إنما كانت غَيْرته وغضبه لله وللحق الذي جاء به ودعا الناس إليه.
هذا المعنى الذي عبَّر عنه أحمد شوقي في قوله:
فَإذَا غَضبْتَ فَإنما هِيَ غَضْبَةٌ ... لِلحقِّ لاَ ضِغْنَ ولاَ شَحْنَاء
ومعنى الواو في أول الآية (وَقِيله) هذه الواو بمعنى القسم، فكأن الحق سبحانه يقسم بقول رسول الله {يارَبِّ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [الزخرف: 88] يقول: وبحق هذا القول.
وجواب القسم هنا محذوف للعلم به، أي: لأُعذبنهم عذاباً يشفى صدرك منهم، فلا تهتم بعدم إيمانهم ولو شئت لأرغمتهم على الإيمان ولخلقتهم على هيئة الملائكة، وكُلُّ ما عليك يا محمد أنْ تصفح عنهم.
{فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ} [الزخرف: 89] لأن الصفح عنهم سيجذبهم إلى ساحة الإيمان بك، وسوف يكون من هؤلاء جند من جنود الإسلام، وبالفعل رأينا خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وعمرو بن العاص وغيرهم من صناديد الكفر يصيرون قادةً في صفوف المسلمين.
وفي آية أخرى قال سبحانه:
{فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}