عندئذ ينصرف عن هؤلاء ، في مشهدهم البائس الكئيب ؛ ويدعهم يتلاومون ويتشاتمون. ويتجه بالخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسليه عن هذا المصير البائس الذي انتهى إليه فريق من البشر ؛ ويعزيه عن إعراضهم عنه وكفرهم بما جاء به ؛ ويثبته على الحق الذي أوحى إليه ؛ وهو الحق الثابت المطرد من قديم ، في رسالة كل رسول:
{أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين؟ فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون. أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون. فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم. وإنه لذكر لك ولقومك ، وسوف تسألون. واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا: أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟} ..
وهذا المعنى يتكرر في القرآن تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبياناً لطبيعة الهدى والضلال ، ورجعهما إلى مشيئة الله وتقديره وحده ؛ وإخراجهما من نطاق وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام ووضع حدود فاصلة بين مجال القدرة الإنسانية المحدودة في أعلى درجاتها عند مرتقى النبوة ، ومجال القدرة الإلهية الطليقة ؛ وتثبيت معنى التوحيد في صورة من أدق صوره ، وفي موضع من ألطف مواضعه:
{أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين} ..
وهم ليسوا صماً ولا عمياً ، ولكنهم كالصم والعمي في الضلال ، وعدم الانتفاع بالدعاء إلى الهدى ، والإشارة إلى دلائله. ووظيفة الرسول أن يُسمع من يَسمع ، وأن يهدي من يبصر. فإذا هم عطلوا جوارحهم ، وطمسوا منافذ قلوبهم وأرواحهم. فما للرسول إلى هداهم من سبيل ؛ ولا عليه من ضلالهم ، فقد قام بواجبه الذي يطيق.
والله يتولى الأمر بعد أداء الرسول لواجبه المحدود:
{فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون. أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون} ..