الدُّنْيَا [الزخرف: 35] لا دوام له ولا حاصل الدائمة والقربة اللازمة عند ربك؛ أي: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 55] للمتقين الذين اتقوا ربهم عما سواه.
ثم أخبر عن تارك الذكر والفكر بقوله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ} [الزخرف: 36] يشير إلى من أعرض عن الله بالإقبال على الدنيا {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً} [الزخرف: 36] وإن أصعب الشياطين نفسك المارة بالسوء، {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36] ملازم لا تفارقه في الدنيا والآخرة، فهذا جزاء من ترك المجالسة مع الله بالإعراض عن الذكر فإنه يقول:"أنا جليس من ذكرني"فمن لم يعرف قدر خلوته مع الله، وحاد عن ذكره، وأخلد إلى الخواطر النفسانية الشيطانية سلط الله عليه من يشغله عن ربه وصرفته سطوات الأنوار الإلهية عنه، ومن لم يعرف قدر فراغ قلبه، واتبع شهوته وفتح بابها على نفسه بقى في يد هواه أسيراً غالباً عليه أوصاف شيطنة النفس وهذا تحقيق قوله: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} [الزخرف: 37] ؛ أي: عن سبيل الله بالشبهات التي توقعهم في ضلالات البدع والأهواء، {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف: 37] الذي سولت له نفسه أمراً فيتوهم أنه على صواب، ثم يحمل قرينة السوء على موافقته في باطله ويدعي أنه حق فقد أضر بنفسه وبغيره.
{حَتَّى إِذَا جَآءَنَا} [الزخرف: 38] حين انكشف غطاء الحجب عن بصره بهبوب نفحات ألطافه بيَّن خيانة قرينه وندم على صحبته، {قَالَ يالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} [الزخرف: 38] وهذه الندامة لا تنفع لمن فاته الوقت وأدركه المقت بشؤم قرينه السوء، كما قال تعالى: {وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الزخرف: 39] التابع والمتبوع من أهل الأهواء والبدع.